تناسلت  مؤخرا العديد من المقالات عن المعرض للصور الإيباحيةالتي عرضت  بالمركز الثقافي بمدينة أيت ملول وتضاربت الاراء حول شرعيتها مما اثار ضجة كبيرة وخلف ردود فعل كبيرة في الوسط الفني والثقافي للمدينة ، و بدأت جل هذه المقالات تستنكر و تندد بالمعرض.

إلا أن الملاحظ أن هذه المقالات كلها لم تتطرق لمفهوم الفن ودوره في التمنية الاجتماعية، و لم تذكر حتى إسم الفنان الذي يعرض لوحاته التشكيلية بالمركز المذكور.

و حقيقة لم تستحضر قراءة نقدية  وموضوعية للأعمال التي عرضت، كما لم يقرأ لأحد مقال عن مسار الفنان و لا للمدرسة الفنية التي ينتمي إليها، و لا إلى التيمة المطروحة للنقاش ” تعبيرية الشارع”، و لم يتحدث أحد عن موضوع الجرأة في الفن الذي حرك هذه الزوبعة.

لماذا لم يلتفت أحد لهذه الأمور المهمة. تحدث الكل عن عرض صور إباحية و مخلة بالآداب ، فقبل أن ننتقد، يجب أن تكون لدينا المعرفة التامة بالأمور الفنية و التصويرية و التشكيلية إلى غير ذلك من لوازم النقد. عجيب أمر الذي لا يستطيع أن  يفرق بين مفهوم الصورة و مفهوم اللوحة التشكيلية و يتجرأ على انتقاد الفنانين.

 

فإذا قرر الفنان “العربي لكحل” أن يعرض إبداعاته الفنية و التشكيلية بالمركز الثقافي بأيت ملول، فلابد أن لديه فكرة أو موضوعا يريد مناقشته من خلال هذا العرض التشكيلي المنبثق من الشارع العام. مع الأسف، قلما نوجه اهتمامنا إلى فن الشارع في بلادنا.

 

الفنان العصامي، العربي لكحل يشتغل بالشارع العام بمدينة إنزكان كماسح للأحذية، و يرسم  تغريدا ت أفكاره في الشارع العام، لا يكثرت لما حوله حين يرسم. وكم من مرة وقفت شخصيا بجانبه لألاحظ كيف يشتغل، و تراه منهمكا في مسايرة إبداعاته و منغمسا في عوالمه الخاصة. لا يأبه لنظرات المارة ولا لكلامهم. بل تجده مستمتعا بنغمات ألوانه ومتحدثا لشخصياته الخيالية بلسان الصمت العميق و بنظرات المتأمل، مستعملا تقنية الصباغة الزيتية و في كثير من الأحيان يستعمل الأقلام الجافة، مبتكرا بذلك طريقته و أسلوبه الخاص. بحيث  كان يستعمل في البداية أوراقا كرتونية مستعملة و مهترئة في بعض الأحيان، و في أحيان أخرى يستعمل القماش كمساحة يجول فيها بخياله الواسع مستغلا قدراته الإبداعية و مستفيدا من حريته الكاملة في التعبير بطلاقة عن جوارحه و عن وجدانه و عن كل ما يساوره من أفكار و ذلك داخل هذه المساحة المحددة من القماش. و إذا تمعنت مليا في لوحاته التشكيلية تستشف منها الكثير من المعاني و المواقف لعلك تجد تفسيرها في صفحات كتاب حياة الفنان.

 

و قد يبدو لك الفنان التشكيلي العربي كحل منطويا على نفسه، واضعا لشخصيته سياجا من حديد يصعب الوصول إليها بباسطة، لكن الأمر معاكس لذلك. فبمجرد الحديث إليه تكشف فيه شخصية عجيبة و لطيفة وكذا فاهمة للأوضاع و ملمة بمحيطها بشكل لافت و مبهر. و كل ما في الأمر هو أن الفنان العربي يحاول جاهدا أن يتطرق لما يخالجه و ما يستهويه في هذه الحياة كأي إنسان آخر. ولعل إطلالة خفيفة لأعماله الفنية و التشكيلية يمكن أن تدلك على جوانب كثيرة في حياة الفنان الذي يقضي جل أوقاته في الشارع العام وحيدا.و الألوان التي تميل  غالبا إلى الأسود نجدها كثيرة الاستعمال في أعماله ، فيكفي أن نعرف أنه يشتغل في حرفة تلميع الأحذية و نفهم القصد المخفي من طغيان اللون الأسود في لوحاته التشكيلية، و بالطبع دون إغفال جوانب مهمة من حياته يمكن أن تكون قد عانت من ويلات مفهوم الظلام. و رغم كل ذلك، فأعمال الفنان العربي تتخللها نقطا ومساحات مضيئة. كما الحياة، فيها جوانب عديدة جميلة ومضيئة و فيها كذلك تجارب مظلمة و مؤلمة.

و حتى الاسم الذي يحمله الفنان يعني اللون الأسود: العربي لكحل؟؟؟؟؟؟

وإضافة إلى ذلك، فوجود موضوع المرأة بشك لافت للأنظار في جل أعماله التشكيلية تستلزم قراءة نقدية عميقة و جادة لكينونة الفنان و علاقته مع الجنس اللطيف دون أن نتغاضى عن الجرأة النادرة و المستفزة فنيا التي يتبناها الفنان في تناوله لهذا الباب.و حقيقة، هذه الجرأة  الواضحة في تناوله موضوع المرأة قد تخلق له مشاكل أو انتقادات كثيرة، خصوصا ونحن نعرف التكوين الثقافي و الفني للمجتمع المغربي.

و بالفعل حين عرض الفنان التشكيلي لوحاته الفنية بالمركز الثقافي بأيت ملول، توالت سيول من الهجومات و الانتقادات على المركز الذي سمح بعرض لوحاته دون أن يشير أحد للمعرض و للفنان و لا أحد تطرق للقيمة الفنية لأعمال الفنان، و لا أحد ناقش التيمة المقترحة ” تعبيرية  الشارع” و لا أحد حاول دراسة الجرأة في الفن التشكيلي، الكل ركز على المركز الثقافي لأيت ملول و على المسؤولين و عن أشياء أخرى لا علاقة لها بالفن التشكيلي.

والسؤال الذي تجب الإجابة عليه الآن هو لماذا هذا الهجوم كله في هذه الأيام على المركز الثقافي بأيت ملول؟

مع الأسف الشديد، فقد تناسينا دور الفن في تنمية و تطور المجتمع. بل وتناسينا أن الفن يعتبر وسيلة هامّة في بناء و تكوين وعي الشعوب بالقضايا الهامة و الكبرى. كما تناسينا عمدا أن تنمية الحس الفني تزيد من خيال المصممين والعمال في تطوير الأعمال وتحسين جودتها. و تناسينا أن الفن وسيلة تعليمية فعالة في بلورة الأفكار بصدق و وفاء. كما تنكرنا لدور الفن في تنمية القدرات الإبداعية لدى الإنسان. هذه القدرات الإبداعية التي  تساعد على خلق روح الابتكار و الخلق الفني و بالتالي تطوير الإنتاجية و تحسين الجودة. و يبدو لي كذلك أننا تناسينا أن الفن يعتبر من أهم الركائز التي يجب الاهتمام بها من أجل تحقيق التطور و الازدهار لهذا البلد. ولنا في كتب التاريخ عبرا قوية يمكن أن نستلهم منها الكثير لو شأنا، أم أننا تناسينا حتى حقائق التاريخ. نعم، تناسينا بل و تمادينا في النسيان مع الأسف الشديد.

و رغم النسيان الفظيع الذي نعاني منه حاليا، فأننا نعي جيدا ماهية كل هذه الحقائق الشديدة المرارة، لأنه كيف لنا أن نتذكر أهمية الفن و نحن غارقون في متاهات الغيابات الجمة لأمور كثيرة لها علاقة جد وطيدة مع الفن؟

فكيف للمجتمع أن يتذكر كل هذه الحقائق و قد كسانا ضباب غياب معطيات ثقيلة و جارحة؟

ثم كيف لنا أن نهتدي لهذه الحقائق وقد هاجمنا ظلام حالك تسببت فيه غيابات مهولة و مدقعة؟

وكيف لنا كذلك أن نفسر هول سكوتنا غير المبرر عن هذه الوضعية الحزينة و الفقيرة فنيا بل و حتى ثقافيا؟

لكن رغم شدة الوجع وقوة الألم الذي تخلفه هذه الحقائق، فلابد من سردها هنا. فالوضع المزري الذي يعيشه الفن التشكيلي يمكن أن نرده إلى ما يلي:

* غياب إستراتيجية وطنية شاملة و واضحة للمشهد الفني عموما بالمغرب.

* عدم وجود بنية تحتية قوية و كافية في مجالات الفن على الصعيد الجهوي من دور المسرح و السينما، قاعات العرض، أروقة، كليات ومعاهد و مدارس مختصة في الفن التشكيلي بالخصوص إلا القليل منها المتواجدة بمدينتي الدار البيضاء و تطوان.

* قلة الأفكار الفنية الهادفة والجدية في برامج التعليم.

*عدم الاستعانة بالمختصين في ميدان الفن في تنشيط البرامج الفنية على قلتها.

*غياب الوعي بأهمية الفن و الثقافة عموما في التنمية المحلية و الجهوية.

* عدم برمجة التربية الفنية بالشكل الكافي و الجدي في المنظومة التعليمية.

* عدم تعيين المختصين في ميدان الفن او الثقافة لتولي المسؤوليات بالمصالح المكلفة بالشأن الفني.

* تغييب دور الفن في الحياة اليومية للمواطن.

* اعتبار الفن من القضايا التكميلية و دون أهمية تذكر، و بالتالي عدم الاهتمام  بالإنتاج الفني و الثقافي.

* قلة الجمعيات الثقافية و الفنية مقابل كثرة الجمعيات العقارية، و بالتالي ركزنا اهتمامنا على بناء الجدران و تناسينا بناء الإنسان.

* قلة الدعم المادي و غياب الدعم المعنوي للبرامج المقترحة من طرف الجمعيات الثقافية و الفنية و من طرف الفنانين. و نقر هنا بمبادرة وزارة الثقافة بتخصيص غلاف مالي غير كافي لدعم ميدان الفني التشكيلي إلى حدود سنة 2016.

* اقتصار الدعم ،إن وجد، على جمعيات قليلة و غالبا ما تكون هذه الجمعيات المستفيدة مناصرة للجهة الداعمة.

*غياب إستراتيجية جهوية واضحة  للشأن الفني والثقافي.

* قلة التظاهرات الفنية و الثقافية بالجهة.

* تقاعس الفنانين و المهتمين  بالميدان الفني في بذل المجهودات المطلوبة للمساهمة في التمنية الفنية المحلية المتوخاة.

* تضييق و تقزيم مفهوم الفن واختزاله في بعض الفنون كفن الموسيقى فقط.

* غياب روح المغامرة لدى الفنانين من أجل تغيير مفهوم الجرأة في تناول المواضيع، و بالتالي عدم تعود المتلقي على مشاهدة طرح جريء في ميدان الفن التشكيلي على الخصوص.

* قلة الجمهور المتذوق للأعمال الفنية التشكيلية والأصلية.

* غزو الأسواق المغربية من طرف نسخ صينية مقلدة للوحات تشكيلية بأثمان بخسة.

* اختراق ميدان الفن من طرف متطفلين يدعون الفن و النقد.

* عشوائية سوق الفن بالمغرب.

و في ظل وجودنا في هذا المستنقع العميق و المليء بالضياع و الغياب و الندرة التي تنخر الجسم الفني، فلا نستغرب من مثل هكذا ردود أفعال والتي نتلقاها من بعض الجهات محاولة أن تهاجم بدون جدوى ميدان الفن و القائمين عليه. و أود أن أنوه بالمناسبة، أنني أفضل طريق النقاش  المنطقي والتقييم الدقيق و النقد المجرد من أية خلفية غير فنية. كما أستبعد في ميدان الفن سياسة الإقصاء. أما عن المركز الثقافي بمدينة أيت ملول، فلنعلم أنه معلمة ثقافية مهمة يجب الافتخار بتواجدها بمنطقة سوس المثقفة.

جدير بالذكر ان الصدى والاشعاع تجاوز حدود المدينة ليصل الى مدى دولي اكبر من ضجة صغيرة خلقت بين جدران قاعة لم تلبث حتى صارت موضوع رأي عام يقرأ من زاوية واحدة لا غير .