أحداث سياسية
جريدة أحداث سوس الإثنين 6 نوفمبر 2017 - 09:25

تحليل منطقي للأوضاع التي عاشها الواقع المغربي في الآونة الاخيرة للدكتور ع.الدين بونيت

 

 

أحداث سوس

 

ما أسرع أحداث بلادي، وما أغربها، وما أحقرها!
ألهذا الحد نَهُون على أنفسنا؟ ألهذا الحد يسوغ لنا ان نرى أنفسنا في الحضيض؟ في عز صيفنا البائس كان علينا أن نتجرع صورة أطفال قيل إن الكبت رمى بهم إلى “اغتصاب” أثان (أنثى حمار) تسبب لهم في الإصابة بعدوى سعار. وتبين لاحقا أن الأمر كان خبرا عاريا من الصحة، ألقيت تبعاته على مواقع “إخبارية” غير مهنية. وفي الأسبوع نفسه نضحت فضيحة اغتصاب جماعي آخر، هذه المرة لفتاة في حافلة للنقل الحضري على مرأى ومسمع من الركاب. وتبين فيما بعد أن تفاصيل الواقعة أبعد بكثير عن الكيفية التي روجت بها في مواقع التواصل الاجتماعي. والشيء نفسه حصل مع صاحب 17 مليار.

وفي بحر الأسبوع المنتهي، تناهى إلينا خبر تلميذي مكناس، وما حصل لهما مع مجلسهما التأديبي، وما تداعى بعد ذلك من ردود أفعال، بدا خلالها أن الأساتذة هناك كانوا في غاية التخلف وعدم القدرة على ابتكار رد فعل تربوي ملائم، وبدلا من ذلك فضلوا تكريس تمييز سلبي ضد الفتاة من خلال طردها من المدرسة، بينما سمح للتلميذ بالانتقال إلى مدرسة أخرى.

ولم نكد نهضم هذه النازلة حتى جاءنا فيديو ورزازات وما جرى للأستاذ المعتدى عليه من طرف أحد تلاميذه. وطيلة هذا الأحد انهمك الجميع في الإدانة والشجب وأحيانا في لطم الخدود والولولة لما وصلنا إليه من ترد وهوة في العلاقة بين الأجيال وفي القيم. ولم يكد ينتهي اليوم حتى أخبرتنا الشرطة أنها اعتقلت التلميذ المعتدي ولمَّحت إلى أن مصالحها لم تسجل لديها أي شكاية في الموضوع من الضحية أو من غيره. ثم بدأنا نتوصل بإفادات تبرز وجها آخر لما جرى من وقائع الفيديو، لعله أشد إثارة للاستغراب، وتكريسا لحالة الخلل النفسي العميق الذي نعاني منه على نطاق واسع.

يظهر من خلال بعض الإفادات أن الأستاذ يقيم علاقة مرضية مع تلاميذه تنتهي في كثير من الأحيان بضرب مبرح للأستاذ. إذا صحت مضامين هذه الإفادات فالرجل مسكين حقا، يعاني من نوع مركب من المازوشية (حب تعذيب الذات). وهذا أمر وارد لأن أشكال الخلل النفسي لا حصر لها. وهنا تتسع دائرة النقاش لتشمل مسؤوليات الإدارة التربوية والأسر وتسائل عدة مستويات من أطراف هذه الواقعة: لماذا لم يلاحظ أحد شيئا طيلة سنوات؟ (فبعض من قدموا إفادات بهذا الاتجاه، قال إنه كان من تلاميذه في سنوات ماضية). لماذا لم يتنبه الآباء أو الأمهات للأمر؟ هل ظل التلاميذ يحافظون على السر كل هذه السنين؟ (وهذا أمر نعرف أنه مستحيل ولو ليوم واحد؛ فقد كنا كلنا تلاميذ، ونعرف استحالة بقاء علاقة شاذة بين التلاميذ وأستاذهم في طي الكتمان، ولو لساعة واحدة؛ فما بالنا بسنوات؟). إذا كان الأمر معروفا للجميع لماذا لم يتخذ أحد أي خطوة للتدخل من أجل تداركه، رغم خطورته على مراهقين في طور هشاشة عاطفية ونفسية؟ وإذا كانت هذه الادعاءات غير صحيحة فمن يسعى إلى الإمعان في تشويش الأذهان وتشويه ما تبقى من صورة غير مغْبَرَّة للأستاذ المربي في هذا البلد؟

القواسم المشتركة بين كل الوقائع التي ذكرت بها هنا، هي:
1 – أنها جميعا تهم أشكال انحراف أبطالها مراهقون، وأغلبها تورط جماعات وليس أفرادا (باستثناء حادثة مكناس) مما يؤشر على الرغبة في تركيز صورة ارتكاس نحو البهيمية، في صيغتها الأكثر غريزية، وهي تلك المرتبطة بسلوك عشيرة الذئاب.

2 – أن معظمها له علاقة بالجنس (باستثناء واقعة الاعتداء على الأستاذ، وهي نفسها قد تؤول إلى ذلك إذا صدقنا الإفادات التي تدعي أن الأستاذ، هو من يسعى إلى الحصول على جرعة من العنف عن طريق استفزاز التلاميذ لهذه الغاية)

3- أنها جميعا وقائع عنف، بدرجات متقاربة وصيغ متفاوتة.

لا أحد ينكر ان درجة الاحتقان في العلاقات الاجتماعية في بلادنا قد بلغت حدا ينذر بانفجارات وعنف كبيرين. لكن تسارع وثيرة تلقي مثل هذه الأخبار التي عرضانا أعلاه يجعلنا نخزن عن أنفسنا وعن مجتمعنا صورة مُجْمَلَة هي صورة الانحراف والمرض النفسي الجماعي. وإذا أضفنا إلى ذلك الوضعَ المثير للشفقة في وسطنا وأدائنا الإعلامي، سنصير مدعوين إلى التساؤل: أشر أريد بمن في هذه الأرض، أم أراد بهم ربهم رشدا؟