جريدة متجدد على مدار الساعة 24 ساعة على 24

اشتوكة ايت باها ، حين تتوزع لقمة العيش بين طوابير ليلية لفئة مقهورة

0

رشيد بيجيكن

سبق لنا أن نبّهنا عبر هذا المقال إلى ظروف الإهانة التي تحيط بعمليات توزيع الدقيق المدعم في اشتوكة، هؤلاء يقضون الليل بالشارع من أجل الظفر بكيس دقيق، يذكرني هذا المشهد بما حكته نساء من الناجيات من فاجعة “حفنة الدقيق” بالصويرة.

مشاهد أضحت مألوفة بعدد من مناطق إقليم اشتوكة آيت باها، مواطنات ومواطنون يدفعهم الإعلان عن يوم توزيع مادة الدقيق الوطني المُدعّم إلى حزم أفرشتهم صوب نقاط التوزيع، في تسابق من أجل نيل مراتب متقدمة ضمن طوابير تؤثث تلك العمليات. ولن يتأتى لهم ذلك إلا بقضاء ليلة كاملة في العراء، علّ الساعات الأولى من صباح اليوم الموالي تضمن لهم الاستفادة من كيس دقيق، قد يصلح لصنع رغيف، يسُدّ رمق أفراد أسرهم، ولو لأيام معدودات.

مشاهد تتكرّر مع كل شهر، يتحوّل معه قاطنو اشتوكة، في سهلها كما في جبلها، إلى أشباه لاجئين، وبتقاسمهم مظاهر العوز والفقر، يشتركون في السعي إلى الحصول على كيس يحتوي على 50 كيلوغراما من الدقيق، بسعر 100 درهم؛ غير أن سعيهم ذلك، وأمام تزايد أعداد الراغبين في الاستفادة من هذه المادة، ومحدودية حصة الإقليم، يُجبرهم على الاصطفاف في طوابير لساعات طويلة نهارا، قبل مدة خلَت، لتمتدّ مدة الانتظار إلى الليل، أو إلى المبيت في العراء، الذي وسم هذه العمليات خلال الآونة الأخيرة.

نساء كما الرجال يُجمعون ، على أن اختيارهم قضاء الليلة ضمن طوابير في جماعة وادي الصفا وبيوكرى بلفاع وماسة، أمام محلات مُخصّصة لتوزيع الدقيق المدعم، يأتي لضمان التزود بكيس واحد من هذه المادة، دون أن يُخفوا تذمرهم من الوضعية هذه، لا سيما في الأيام التي تجتمع فيها مرارة الانتظار وموجة البرد القارس، والإحساس بإهانة كرامتهم الآدمية. كما عبر المعنيون، ضمن التصريحات ذاتها، عن مطلبهم في ضمان هذه المادة، مع أنسنة ظروف توزيعها، على حدّ تعبيرهم.

وفي جانب آخر، وبالمنطقة الجبلية لاشتوكة آيت باها، تشوب عملية استفادة الساكنة من الدقيق المدعم عدة اختلالات، عبر عنها مواطنون، الذين أوردوا ضمن إفاداتهم المتطابقة أن لوائح المستفيدين لا تخضع للتمحيص الضروري، من أجل تحديد الفئات المستهدفة بدقّة، بالإضافة إلى الارتجالية والعشوائية في تحديد أيام التوزيع؛ وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لتلاعبات قد تطال العملية برمتها، كالزيادة في سعره المُحدّد، (120 إلى 130 درهما) و”تهريبه” إلى مناطق أخرى للهدف ذاته، بالإضافة إلى غياب مراقبة الكميات الواردة على المنطقة من لدن السلطات المختصة، على حد تعبيرهم.

عبد الله آيت سي، رئيس فرع اشتوكة آيت باها للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ندّد، بالطريقة التي يتم بها توزيع الدقيق المدعم في الإقليم، وذلك في نقطة واحدة، و”الذي يجبر المواطنين والمواطنات على المبيت ليلا أمام مكان التوزيع، في مشهد مهين لكرامة الإنسان”

ودعا الفاعل الحقوقي السلطات الإقليمية إلى التدخل العاجل لوضع حد لمثل هذه “الإهانة”، كما طالب بتوزيع عادل وشفاف لحصة الإقليم من الدقيق المدعم، وزيادتها في حالة عدم كفايتها مقارنة مع تزايد الساكن، على حدّ تعبيره.

عبد الإله تاكري، العضو بشبيبة جماعة العدل والإحسان باشتوكة آيت بها، اعتبر أن ما يحدث في ملف توزيع الدقيق المدعم إهانة للمواطنين من أبناء الإقليم، الذين ترغمهم السلطات المشرفة على تنظيم العملية على الوقوف في طوابير مهينة لساعات طوال، تمتد خلال ليلة كاملة وصباحها، من أجل الحصول على كيس دقيق، على حد قول الناشط في جماعة العدل والإحسان.

وأضاف المتحدّث أن المشهد أصبح مألوفا في العديد من جماعات الإقليم، وهو “ينم عن فشل السلطات المعنية في أداء دورها في تدبير هذا الملف بشكل يحفظ كرامة المواطنين، وصورة تعري شعارات الرقي والازدهار والتنمية البشرية التي تتبجح بها الدولة في مناسبات عديدة”، متسائلا: هل الدولة تعوزها الإمكانيت ووسائل التخطيط لتوزيع هذا النوع من الدعم وأنواع أخرى من الدعم، تظهر المواطنين في موقف الضعف والاستجداء أمام أنظار العالم الذي يشاهدوننا عبر وسائل الإعلام”.

ومن جهته، اعتبر المختار طيرى، عن الحزب الاشتراكي الموحد بقيادة ماسة غرب اشتوكة آيت باها، أن اضطرار الساكنة إلى سهر الليالي والارتجالية في الإخبار بمواقيت التوزيع تُعدّان من الإشكالات العويصة المطروحة، في صلة بالدقيق الوطني المدعم، دون أن يُخفي وجود تلاعبات في العملية، لا سيما باعتماد الدفتر العائلي تارة، وبطاقة الهوية الوطنية تارة أخرى، ضمن شروط الاستفادة، مقترحا أن تعمد السلطات المحلية منح كل مستفيد بطاقة تحمل تأشيرتها وتوقيت التوزيع، وبعد الاستفادة يتم إرجاعها إلى الجهة نفسها؛ وهو ما سيسهم في ضبط العملية والتصدي لكل تلاعب محتمل بهذه الكميات، على حدّ تعبير المتحدث.

أما أحمد خالي، وهو تاجر مموّن بهذه المادة باشتوكة، فقد أرجع سبب هذه المشاهد إلى التزايد السكاني، بحكم طبيعة الإقليم، كوجهة لليد العاملة، لا سيما في المجال الفلاحي، وتحوله إلى محطة استقرار هذه العمالة، بالإضافة إلى تقليص الدولة للحصص المُخصصة للأقاليم على امتداد التراب الوطني.

وعن أوجه التلاعبات والزيادات غير المشروعة في سعره، نفى المتحدث نفيا قاطعا عمده إلى بيع المادة بغير ثمنها المُحدّد من لدن الدولة.

التاجر أحمد خالي لم ينْفِ مواجهته لمشاكل متعدّدة عند توزيع الدقيق المُدعم، لا سيما بمناطق بلفاع وإنشادن وآيت ميلك وماسة، أهمها ارتفاع الطلب ومحدودية العرض، وجعل الممون الحلقة الأضعف في كيل الاتهامات المجانية في كل ما قد يشوب العملية، بالرغم من وجود لجان محلية تُتابع مختلف مراحل التوزيع، وهو “ما دفعني غير ما مرّة إلى توجيه طلبات متعددة من أجل التنازل عن تموين السوق المحلية بهذه المادة”.

كما اقترح المتحدث ذاته أن يتم التفكير في طرق أخرى لدعم المواطنين بالدقيق بدل المعمول بها حاليا، والتي تُؤتِ النتائج المرجوة، “بل ضاعفت المحن على التجار وعلى المستفيدين”، على حدّ تعبيره.

تعديل بتصرف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

hicham