جريدة متجدد على مدار الساعة 24 ساعة على 24

التوجيه المدرسي والمهني بين رهان الجودة وتحدي تطوير الممارسة ، إشكالات قائمة

0

 

ذ: محمد بادرة

يعتبر التوجيه التربوي والمهني مكونا هاما من مكونات منظومة التربية والتكوين  و يحتل  بطبيعة دوره مكانة مركزية  في تحسين المر دودية, والرفع من الجودة حتى أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين خصص دعامته السادسة للتوجيه التربوي ووزعه في خمسة من المواد (من المادة 99الى المادة 103) , كما وسمه بالمسالة المصيرية للمنظومة التربوية  بوصفه (وظيفة للمواكبة وتيسير النضج والميول وملكات المتعلمين واختياراتهم التربوية والمهنية و إعادة توجيههم كلما دعت الضرورة إلى ذالك ,) كما انه لا يمكن تحقيق أي تنمية اجتماعية واقتصادية دون تهيئ الفرد والمجتمع على حد سواء ودون وجود آليات عقلانية وموضوعية لاستثمار الرأسمال البشري, والتوجيه التربوي والمهني و الإرشاد الجامعي هو آلية هامة ضمن الآليات المؤسسية الحديثة لإعداد الأفراد لوظائفهم المستقبلية : الاجتماعية والاقتصادية  وتهييئهم بشكل سليم وفقا لرؤية تربوية منشودة,

ومع ذالك فموقع التوجيه التربوي داخل فضاء المنظومة التربوية  لم يكن في مستوى  الدور الذي يلعبه , فهو المتتبع لمسار  التلميذات والتلاميذ  عبر المراحل الأساسية  والانتقالية في عمرهم  الشخصي والدراسي , وهو الراعي لميولاتهم  ورغباتهم وقدراتهم ومشاريعهم الشخصية ,وهو المساعد على الاندماج في المحيط الأسري والاجتماعي , وهو المحفز على التكيف مع المتغيرات والتحولات الطارئة ,وهو المساعد على الاختيارات الدراسية والمهنية والحياتية . إن التوجيه التربوي له مكانة هامة في الحياة المدرسية لكن القائمين على تدبير القطاع يجهلون أو يتجاهلون هذه الأهمية مما نتج عنه ضعف دور وفعالية التوجيه التربوي لتطفو على السطح مجموعة من الاختلالات  التي انعكست على المر دودية الداخلية والخارجية للنظام  التربوي  وظهر ذالك في :

– أ- عدم التلاؤم بين النظام التربوي وحاجيات التكوين اللازمة للنمو الاجتماعي والاقتصادي أي لنمو يعطي لكل فرد من المجتمع إمكانيات تلبي كل رغباته الأولية   فالنظام التعليمي المغربي  المستنسخ عن النظام التعليمي الفرنسي  لم يأخذ عن هذا الأخير غير الجانب الأقل وظيفية  حيث احتفظ بجانب التكوين النظري العام أي ما يسمى بالتكوين العام بينما بقي الجانب العملي والتقني والمهني  من جملة النقائص التي تعتري النظام التعليمي الوطني ,  ومن شان هذه الوضعية أن تؤدي إلى جعل التلاميذ المطرودين أو المفصولين من النظام التعليمي غير مسلحين أمام متطلبات الحياة العصرية  لا ن الفترة الزمنية التي قضوها  بالمدرسة لم تسمح لهم بالحد الأدنى من التكوين يمكنهم من تلبية حاجياتهم الأساسية.

 

– ب – عدم التوازن بين الشعب والتخصصات  وفي التوجيه غير الملائم أو المبني على حاجيات الخريطة المدرسية  والمتطلبات العددية  عوض التعرف على الاستعدادات والمؤهلات  الذاتية المساعدة على متابعة الدراسة والنجاح فيها إضافة إلى نقص في الإعلام المدرسي وعدم نشر المعلومات بشكل ناجع ومدروس

 

– غياب أو ضعف الروائز السيكو تقنية وفي المقابل الإبقاء على التقويم التربوي وحده كمعيار أساسي في عملية التوجيه , يجعل القرارات المتخذة في مجلس التوجيه لا تكون دائما سليمة أو مناسبة لان مجرد تفاوت بسيط في عملية التقويم الإجمالي للتلميذ قد يخلق خللا هاما ليس في تقدير درجة استحقاقه فقط بل بعملية التوجيه في حد ذاتها –ويحدث هذا في السنوات الاشهادية وبالذات في الثالثة إعدادي-

إن اعتماد  عمليات التوجيه على التقويم والامتحانات قد تفقد مصداقيتها , ولذا جاءت الرؤية الإستراتيجية للإصلاح بمراجعة شاملة لنظام التوجيه التربوي والمهني  ودعت إلى (تجديد الآليات المعتمدة في التوجيه التربوي , باعتماد الروائز بدل المعدلات ومراعاة ميول وقدرات المتعلمين ومشاريعهم الشخصية …….)

وهكذا فحقل التوجيه التربوي هو حقل شاسع من الناحية الابستمولوجية إذ تتلقى وتتداخل فيه مجموعة من العلوم , كما انه حقل شاسع كذالك من ناحية أبعاد وظيفته , ولقد منح له الميثاق الوطني للتربية والتكوين ادوار من قبيل :تقويم القدرات وصعوبات التعلم – الدعم البيداغوجي المستدام – تعزيز التربية على الاختيار ,,,,

منطلقات الرؤية الإستراتيجية للنهوض بقطاع التوجيه التربوي والمهني :

إن وثيقة الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015/2030 جاءت لتعزيز المقترحات الايجابية حول التوجيه التربوي الواردة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين لكون الوثيقتين تعبران عن وجود إرادة تربوية وسياسية للنهوض بهذا القطاع وتفعيل دوره في تحقيق تنمية تربوية واقتصادية واجتماعية مستدامة .

ومن منطلقات الرؤية الإستراتيجية لتجديد قطاع التوجيه التربوي والنهوض به :

1- الاعتماد المبكر على التوجيه وتعزيز التربية على الاختيار:

إن التوجيه لا يمكن أن يتبلور ويتطور بمعزل عن الحياة الشخصية والمجتمعية للفرد كما أن المشاكل التي تعيق نجاح المتعلم لا يمكن لها أن تحل بتوفير الوسائل المادية والتربوية والبشرية فقط , بل إن النجاح العملي للتوجيه يعتمد على دمج المتعلم في الحياة المدرسية من جهة وفي الآفاق المهنية المستقبلية من جهة أخرى وهذا ما سيتأتى من خلال منح (التوجيه التربوي أدوارا جديدة تمكنه من القيام بمهام الدعم البيداغوجي المستدام بالاعتماد المبكر على التوجيه لمصاحبة المتعلم في بلورة مشروعه الشخصي وتعزيز التربية على الاختيار )وصولا إلى تحقيق مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء- (الرؤية ألاستراتيجيه للإصلاح –ص 60)

2- تجديد الآليات المعتمدة في التوجيه التربوي باعتماد الروائز بدل المعدلات ومراعاة ميول وقدرات المتعلمين:

 

لقد اقتضت الرؤية الإستراتيجية استبعاد العمل بنسب النجاح كشرط للانتقال من سلك تربوي إلى أخر مع اعتماد معايير جديدة للانتقال والانتقاء أكثر علمية وموضوعية وذالك عن طريق ابتكار آليات وأدوات تقويمية وسيكولوجية حديثة تساعد في عملية تحديد الاختيارات المسلكية للتلاميذ  وعلى اختياراتهم التربوية والمهنية ومشاريعهم الشخصية وهذا ما لا يتأتى إلا بتوفير بنيات وشروط العمل , حددتها الرؤية الإستراتيجية للإصلاح في : (المشروع الشخصي للتلميذ – المقابلات الفردية – دلائل عمل واطر مرجعية- برنام/برمجية- الروائز-حقائب التعلم –زمن التوجيه داخل الحياة المدرسية ,,) ص:60

إن اعتماد الروائز محل المعدلات ووجه بكثير من الانتقادات من قبل عدد من الباحثين في الشأن التربوي , فقيمة هذه الروائز ما تزال موضع نقاش حيث أن عددا من الدراسات التي اهتمت بقيمتها التنبؤية كلها سلبية وغير مقنعة مع العلم أن البحث السيكولوجي عن طريق الروائز يمثل أقدم طريقة استعملت لتوجيه التلاميذ . فمنذ بداية القرن الماضي وعلماء النفس يستعملون الروائز المهتمة بالذكاء والمؤهلات وينصحون بتوجيه التلاميذ بناء على النتائج المتوصل بها عبر تفريغ وتحليل الروائز وقد انتقد عدد من المختصين هذه الطريقة قائلين : إنها تفترض استقرار المميزات الشخصية والمميزات المهنية إلا أن الأشخاص والمهن في تطور مستمر الشيء الذي يجعل كل تنبؤ مشكوكا فيه .

3- إرساء بنيات الإعلام والمساعدة على التوجيه:

 

اعتبارا لأهمية الإعلام والتوجيه التربوي في مساعدتهما للتلميذ (ة) على تحديد ميولا ته واختياراته ومستقبله الدراسي والمهني واعتبارا للمكانة التي يحتلها التوجيه التربوي في كل مشاريع الإصلاح السابقة والحالية  فقد أصبح مجال الإعلام والتوجيه التربوي يكتسي أهمية كبيرة في إعداد وتأهيل الأفراد  لتحمل مسؤولياتهم مع القدرة على مسايرة المستجدات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية ولن يتأتى هذا إلا بوجود بنيات الإعلام والتوجيه .ولقد نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين في المادة 102 على تعميم مراكز الاستشارة والتوجيه المزودة بالتجهيزات وخزانات الروائز وأدوات التقويم …. ومن شان هذه المراكز تفعيل دور الموجه وتدعيم تدخلاته بما يفيد المتعلم في المجالات الأساسية التالية:

تعريف التلميذ بنفسه – مساعدته على معرفة المحيط المدرسي  والتكويني- مساعدته على معرفة المحيط الاجتماعي والاقتصادي – مساعدته على اختيار مستقبله الدراسي أو المهني.

كما أن من شان هذه المراكز :

-كشف وتحديد حاجيات الفئات المستهدفة بخدمات الأعلام.

-البحث والتنقيب عن المعلومات المتعلقة بالدراسة والتكوين والتشغيل.

-تحيين المعلومات والوثائق الإعلامية.

4- تطوير وتعزيز التكوين الأساس والمستمر لأطر التوجيه التربوي قصد تأهيلها للقيام بالمهام المستجدة:

إن مراجعة فلسفة ومبادئ المنظومة التربوية تفرض إعادة النظر في  تكوين الأطر التربوية المتدخلة في تطبيق الدعامات الأساسية لوثيقة الإصلاح من مدرسين و إداريين ومؤ طرين تربويين ومستشاري التوجيه والتخطيط التربوي, وعلى هؤلاء أن يكونوا على دراية في مجال الدراسات التربوية  والسيكولوجية و السوسيولوجية والاقتصادية وحتى السياسية لان حقل التوجيه التربوي هو حقل شاسع تتداخل فيه العديد من العلوم الإنسانية والعلوم الحقة .كما أن المستشار في التوجيه عليه أن يكون ملما بالإرشاد النفسي وهذا ما لم يوضحه الميثاق حينما تناول مهام المستشار في التوجيه  ( فالإرشاد النفسي أصبح من أهم دعائم المدرسة الحديثة , فهو يهدف إلى تحقيق أهداف  نمائية ووقائية وعلاجية تتغيى إيجاد التوافق النفسي والاجتماعي والأسري والدراسي للمتعلمين من خلال العمل على توفير ظروف نفسية واجتماعية ودراسية مناسبة للنمو السوي والمتكامل من الناحية المعرفية والعقلية والاجتماعية والنفسية والجسمية للمتعلم) خالد امجيدي – عالم المعرفة – العدد 12 ص: 229

5-إحداث آليات التنسيق بين مختلف القطاعات المتدخلة في التوجيه بالتعليم المدرسي والتكوين المهني ,و الإرشاد الجامعي ,

6-تحيين وتدقيق الوثائق القانونية والمذكرات التنظيمية المتعلقة بمجال الإعلام والمساعدة على التوجيه على ضوء المستجدات التربوية,

هاته هي المقترحات التي جاءت بها الرؤية الإستراتيجية لإصلاح و مراجعة نظام التوجيه التربوي والمهني على المديـين القريب والمتوسط , وذالك بتحديثه  وإعادة النظر في مفهومه وفي طرقه وأساليبه الحالية ,فكيف يمكن إرساء هذه الرؤية وما هي الآفاق المنتظرة منه؟

الآفاق المنتظرة أمام خدمات الاستشارة والتوجيه: ماسسة الجسوربين مختلف انواع واطوار التربية والتكوين

لقد ظلت محدودية جودة التربية والتكوين – حسب الرؤية الإستراتيجية للإصلاح -(الاختلال البارز للمدرسة بمختلف مكوناتها لذالك يشكل الرفع من مقومات الجودة لدى الفاعلين التربويين , وفي المناهج والبرامج  والتكوينات , وفي حكامة المدرسة ,,,افقأ حاسما لتجديد المدرسة المغربية وضمان جاذبيتها وجدواها , من هذا المنطلق يتعين العمل في المدى القريب على بناء نموذج مرجعي وطني للجودة ,,,)- وثيقة الرؤية الاستراتيجي -ص :  28 , وذالك اعتبارا لحاجة المدرسة المغربية إلى تحقيق مزيد من التنويع والتكامل والتنسيق في التكوين والتأهيل من اجل تمكين المتعلمين من متابعة المسار الدراسي والتكويني لأطول مدة وتكريس اختيار المشروع الشخصي والرفع من مستوى التأهيل ……   و هذا ما سيؤدي إلى الرفع من منسوبية  الجودة في نظام التوجيه المدرسي والمهني و الإرشاد التربوي ومن الشروط اللازمة للنهوض بهذا القطاع وتجويده :

ا- تأهيل اطر هيئة الاستشارة والتوجيه اعتبارا لدور هذه الهيئة في الرفع من المر دودية و النجاعة الداخلية لمؤسسات التربية والتكوين  .

ب-الاعتناء المستمر بالتكوين الأساسي والمستمر لأطر الاستشارة والتوجيه.

ج-الإرساء الفعلي للجسور والممرات بين التعليم العتيق والتعليم العمومي المدرسي والتعليم العالي والتكوين المهني  وتعزيز التنسيق بين كل هذه الأنماط التعليمية ومستوياتها مع فتح المنافذ  الممكنة والضرورية لاستيعاب مختلف التكوينات و بتوفير المزيد من المسالك عن طريق توسيع وتنويع الشعب (التقنية خصوصا) وتشجيع التوجيه نحو شعب التكوين المهني للحد من أثار التسرب الدراسي خصوصا في صفوف تلاميذ مستوى التعليم الإلزامي .

د-وضع آليات محكمة وناجعة للتنسيق بين قطاعات التربية الوطنية والتعليم العالي والتكوين المهني ووكالات التشغيل ,

-توسيع شبكة مراكز الإعلام والتوجيه ومراكز التوثيق والإعلام وتعزيز أدوارها.

ه-إسناد وظيفة الإرشاد النفسي والاجتماعي  بهيئة الاستشارة والتوجيه قصد مساعدة التلاميذ  المتعثرين لاستكشاف مشكلاتهم ومسبباتها وتزويدهم بالإرشادات  والنصائح الضرورية.

و-إرساء روابط عضوية بين التعليم المدرسي والتكوين المهني ودمجهما في تنظيم بيداغوجي منسجم ومتناغم مع تعزيز سيرورة الدمج هاته باليات كفيلة بتوفير شروط إنجاحه من حيث التخطيط والتوجيه والهندسة البيداغوجية.

من شان تنزيل هذه الرؤية الاستراتيجيية الجديدة تجديد آليات التدبير و الحكامة البيداغوجية وصولا إلى تحقيق مدرسة الجودة للجميع.

 

ذ:محمد بادرة

مدير ثانوية – الدشيرة الجهادية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

hicham