تافراوت ، الباكورة التاريخية لسوس .

أحداث سوسآخر تحديث : الجمعة 18 يوليو 2014 - 3:38 مساءً
تافراوت ، الباكورة التاريخية لسوس .

عمر أبعقيل / أحداث سوس

تافراوت كلمة امازيغية تعني ورقة الشجرة ، تسميتها مستمدة من شكلها المتفرع كأوراق الشجر تخترقها وديان مما يمنحها ميزة جبلية بموقعها الجغرافي الفريد الذي يعطيها القرب من جميع القرى في المنطقة الواقعة على ضفاف وادي أملن. تقع على بعد حوالي 130 كلم جنوب أكادير عبر أيت باها، وحوالي 100 كلم شرق تزنيت و تعتبر عاصمة جبال الأطلس الصغير. هذه البلدة الصغيرة، التي يبلغ تعداد سكانها أقل من 5000 نسمة، موقعها الجغرافي الجميل يعود فيه الفضل الى تموقعها في قلب سلسلة جبال الأطلس الصغير . تجدر الإشارة في البداية الى أن تاريخ المنطقة يكتنفه بعض الغموض وذلك لقلة المصادر وتعدد الروايات مما أدى الى اختلافها في شأن بعض الأحداث بالاضافة الى الإختلاف في تحديد بعض المواقع وبعض اسماء القبائل ، لهذا فإن الحديث عن تاريخ المنطقة لا يتجزأ عن الحديث عن تاريخ الأطلس الصغير بصفة عامة ،وخاصة الأطلس الصغير الغربي والأوسط ،كما لا يتجزأ عن الحديث عن تاريخ الجنوب المغربي فيما يتعلق بالتاريخ القديم الذي شكل إحدى مجالات الإستقرار البشري القديم والذي يعود إلى أواخر العصر الحجري الحديث،ويظهر ذلك من خلال النقوش الصخرية المتواجدة بالأطلس الصغير وهي عموما تعود إلى ثمان آلاف سنة خلت وعي موطن استقرار اليهود الذين أتو اليها بعد اضطهادهم من المشرق اذ ولم يدم حكمهم بهذه المنطقة طويلا فسرعان ما فقدوه لصالح أمازيغ المنطقة . وخلاصة السجل التاريخي للمنطقة يمكن اختصاره في شقين اثنين ، فبالنسبة للأول فباعتبار تافراوت تقع بالأطلس الصغير فهي منطقة عبور بين الجنوب أو الصحراء وسهل سوس .في حين أن الثاني جعل تافراوت كحوض داخلي يفرض نفسه كعامل مفسر للحروب القبلية التي شهدتها المنطقة . من الرجالات الذين تأثرو بتافراوت ، الرحالة الفرنسي لوكو الذي انبهر بالغروب في تافراوت مفتاحا لرؤيته، يقول:”بتمهل، وبدون أدنى إشارة، يدور مفتاح فجأة فاتحا للملاحظ بعض الرؤى المنفلتة من الأزمنة. نخلات، صخور، بيوت، لا شيء تغيّر، وكل شيء مختلف..” مصورا لنا تافراوت من ثلاث زوايا اعتبرها أساسية : تافراوت الزمكان يقول:”ترقد تافراوت طوال اليوم في مرجل معدني، ولا تخرج إلا في المساء، أو في الصباح الباكر.” هذا الاستهلال يجعلنا ربما نتوجس من المنظور الغربي لنا (ارتفاع الحرارة طبيعيا ومزاجيا) وللشرق عموما، لكن الرحالة يبدي إعجابه بفضاء تافراوت بشكل شاعري تصعب ترجمته:”العيون تعانق الآن وردة الهواء الغير المحسوسة، ترمق بنظراتها جبلا بعيدا متوازنا في الأفق، ثم ترتقي صوب النجمة الأولى، وتشرب من فراغ السماء الرائق..” من السهل أن يتنبه القارئ إلى شغف لوكو بالسماء شغفا عجيبا، نجده في أماكن كثيرة من الرحلة متأملا في سماء تافراوت: الغروب، النجوم، الفراغ، يقول:”هذه هي السماء التي أراد دائما أن يراها فوقه: هذه السماء وهذه المجموعة من الصخور التي تبدو وكأنها تتقدم لمقابلة النجوم. البهاء، جلالة المكان، تفتح له الرحالة حياة لم يكن يتخيل أن تصل به إلى هنا..” ويضيف قائلا:”في أوربا لا نعرف غالبا ما هي السماء المليئة بالنجوم: التلوث الضوئي لا يسمح بأي تأمل ممتاز، ولا نتخيل بأي قوة يمكن أن تضيء هذه الأنوار الضئيلة التي نغفلها. ولكن هنا، في هذا السهل بأقصى جنوب العالم، فإن الحوار العاطفي بين الأرض والصخور لم يكن أبدا مفككا. وطالما أن هذه القرية موجودة – فهذا يعني وجود رجال من أجل رفع رؤوسهم فقط، والانفتاح على نداء النائي والبعيد- فهي ستستكمل ثباتها على مر القرون.” وتأثره البالغ بتافراوت جعلته ينتقد الفضاء الأوروبي واصفا ما شاهده ، :”في باريس لا يوجد بيوت، والسكان يعيشون في صنادق مفروضة عليهم. كتب بول كلوديل:حجراتنا في باريس، داخل جدرانها الأربع، نوع من المكان الهندسي، ثقب تقليدي نؤثثه بالصور والأشياء والخزائن داخل خزانة.” تافراوت المرأة الخجولة والطفل البريء عن المرأة التفراوتية نعتها لوكو بّـ “التيار المقاوم للتصوير” يقول:” الفتيات المرحات اللائي لا يَخَفْنَ شيئا ما عدا آلة التصوير.” وينقل الرحالة صورة عن لقاء الرجل الغربي بفتيات تافراوت في قوله:”..عندما يمرّ الرحالة ترمقه فتيات يافعات، يراقبنه للحظة بجدية، ثم ينفجرن بالضحك، تحت حجابهن يكشف الماس الأسود لعيونهن الضاحكات.” وعن الأطفال :”في خضم هذا الارتحال، يجتاز الرحالة المزارع والقرى، ويهبُّ لمقابلته عدد كبير من الأطفال لكي يسردوا عليه حاجياتهم من الحلويات”. تافراوت اللسان: عن اللغة مر هنا لوكو مرور الكرام واصفا ايا في اسطر محدثا :”يتحدث سكان هذه الجبال لغة أخرى غير التي في السهول هي البربرية؛ اللغة الأصل لهذا البلد بعد لجوئهم إليه بسبب المعارك.. إنهم شعب من الرعاة، ومروّضي الثعابين..” مسك الختام “لم أكن أدرك في النهاية أنني عبرت ثلاث وديان ، سوس ، ماسة و درعة شرايين فيها نبض الحياة للجهة ككل ، لأستقر بتافراوت ” هذه المرة أنا المتحدث نيابة عن لوكو الذي جعلني أومن أن تافراوت أيقونة الأطلس الصغير ملخص صغير لتاريخ سوس العريق سماها كما وصفها الرحالة تجعلها فسيحة رغم تموقعها بين الجبال ، نخيلها ومياهها العذبة تبعث الأمل على حياة جديدة ، سكانها مفخرة للوطن بتاريخهم المجيد واستماتتهم عن الذود عن حماه ، بذكاء أطفالها واستحياء نسائها ، فعذرا تافراوت إن لم اوفيك حقك من الوصف .

2014-07-18
أحداث سوس