ظاهرة التسول بأكادير… شبكة منظمة وعائدات مالية مهمة وفراغ قانوني

آخر تحديث : الخميس 14 أغسطس 2014 - 3:36 مساءً
2014 08 14
2014 08 14
ظاهرة التسول بأكادير… شبكة منظمة وعائدات مالية مهمة وفراغ قانوني

بركـــــة:

أفواج من المتسولون أغلبهم نساء وأطفال وكهول باتت مدينة أكادير وجهتهم المفضلة وسط تخاذل مصالح الأمن القيام بواجبها تجاه محاربة هذه الظاهرة التي أصحت تقف من ورائها شبكات منظمة . خلال هذه الأيام قامت الجريدة بجولة لأهم فضاءات المدينة واطلعت عن قرف من ألأمكنة المفضلة لهؤلاء المتسولون ، ومن الصدف إكتشفنا تواجد سيارة نقل ريفي بالقرب من ساحة الباطوار  حاملة معها أسرابا من المتسولين …(رجالا ونساء واطفالا) مختلفي المظاهر واللباس والتنكر.

ـ متسولون يستعمرون أماكن بالإدارات والمساجد والساحات العمومية

 نساء في مختلف العمر يحملن أطفالا صغاراالى أخريات…وآخرين كل يدعي العجز والفاقة والاعاقة .

في الصباح الباكر يسيطر هؤلاء كعادتهم على جل الأماكن الإستراتيجية بالمدينة .. بمدخل المساجد في أوقات صلات الفجر حتى صلاة العشاء ـ مسجد لبنان وسط المدينة ، مسجد الباطوار ومسجد أبو بر الصديق بحي الداخلة ومسجد حي السلام ومسجدي بواركان وسيدي يوسف بالإضافة إلى جل أبواب سوق الأحد، في حين يجد آخرون موطنهم بجل الإدارات العمومية والخاصة وكذلك بمداخل كورنيش أكادير وبالقرب من الفنادق نموذج فندق الصحراء الذي يبيت هؤلاء بالقرب من بابه الرئيسي في صورة مقيتة عن تعقد الوضع تحمل إشارات سلبية لسياح مدينة أكادير اللذين باتوا ينزعجون من الظاهرة في وضعها الإنساني دون أن يكون في علمهم أن التسول بات مهنة تدر على محترفيها عائدات يومية قد تفوق في بعض الأحيان ما يتقاضاه الموظف الأوروبي العادي أي “100 أورو” يوميا.

ـ متسولات يدعون الفاقة وأزواجهم يشتكون ضيق الحال

 كثيرات هن متسولات يدعين الفاقة لكن الواقع يثبت عكس ذلك. فالأزواج موجودون  في زوايا مختلفة بفضاءات بالمدينة يشتكون ضيق الحال وعدم وجود عمل ، وآخرون يشتكون العلل، في حين أن الواقع هو أن هؤلاء يمارسون ما باتوا يعتقدون أنها ـ مهنة ـ  في كل مساء يعملون على احتساب العائدات بين ما تعود به الزوجة والأطفال.  وهناك آخرون يدعون الاعاقة…. وفي المساء وقبل وصول وسائل العودة يظهر الكثير على حقيقتهم فالمقعد أمسى يمشي داخلا الى الحانة والاعمى ازاح العصا البيضاء والنظارة السوداء…وغير الميدعة وبدأت النساء ايضا تتبضعن…وابتعن ما لذّ من الفواكه والحلويات .

هذه المظاهر المزرية تعيشها مدينة أكادير منذ سنين لكنها الان كثرت وتنوعت…وغزت الشوارع وأساءت الى العاصمة السياحية بالمملكة جنوب المغرب.

ـ  غياب المراقبة الأمنية…وترتيب البلدية…و المجتمع المدني .

بالرغم من المشرع المغربي وضع قوانين تجرم إمتهان التسول إلى جانب توقيع المغرب على برتكولات دولية تجرم استغلال الأطفال، فإن الوضع الحالي لا يعكس التعامل الإيجابي للدولة للتصدي للظاهرة، بل إن تخاذل مؤسسسات الدولية خصوصا منها الأمنية والإجتماعية قد ساهم بشكل كبير في   أن تأخذ الظاهرة خطا تصاعديا، لتصبح محط جدل واسع بين ساكنة أكادير وزوارها خصوصا من الأجانب،بين من يرق لحال هؤلاء المتسولون متفهما ظروفهم السسيو اقتصادية و بين مشجب و مستنكر للظاهرة معتبرا إياها حرفة يربح ممارسوها مئات الدراهم يوميا.جدل تبقى الظاهرة أمامه فارضة نفسها بالمدينة في غياب استراتيجية واضحة للتعاطي معها من طرف القائمين على الشأن المحلي ؛مما ساهم بشكل ملفت في تفشيها و استفحالها و بالتالي تشويه المنظر العام للمدينة و ترك انطباع سلبي عنها.

فالجريدة من خلال جولتها بأماكن تواجد هؤلاء المتسولون لاحظت دوريات للأمن تتغاضى عن هؤلاء بشكل يطرح علامات الاستفهام بل الأخطر من هذا هو أن عددا من مسؤولي المدينة وخلال صلاة الجمعة يلاحظون عن قرب تواجد متسولون دون أن يحركوا ساكنا في شكل يفيد أن هؤلاء قد تعايشوا مع الظاهرة.

مجلس بلدي يضع عددا من المشاريع غايتها تنمية المدينة وكذلك برامج سنوية للثقافة والتنشيط دون أن يتسلل إلى حسهم وجود ظاهرة هدامة لكل المبادرات بل أصبح الوضع مثار للسخرية حينما يرمي مسؤولي أكادير الأمر إلى بعضهم البعض اعتبارا أنه” ليس من اختصاصنا” في حين أن جمعيات مدنية تأسست لهذا الغرض لكن في الأخير تبين أن التأسيس غايته الإستفاذة من الدعم لغير.

ـ عائدات المتسولين تصل إلى مبلغ 1000 درهم في أوقات الدروة

من خلال استجواب قامت به الجريدة بشكل تنكري، كشف بعض المتسولون أن أوقات الدروة كفصل الصيف وشهر رمضان والأعياد الدينية قد يصل دخل هؤلاء إلى سقف ألف درهم في حين يتراجع الأمر في الأوقات العادية إلى مائتي درهم ويختلف الدخل من متسول إلى أخر أو بحسب العاهة والمكان، وقالت مصادر مهتمة أن عددا من المتسولات يقمن بكراء أطفال صغار من أمهاتهم لضيق حالهم قصد توظيفه في التسول مقابل مبلغ مالي تتسلمه الأم كل يوم، وهو ما تأكد للجريدة من خلال معاينة عدد من النسوة العجائز المتسولات يحملن أطفالا صغار بل هناك من تضع قربها طفلين رغم أنها بلغت من العمر عتيا.

ـ أسباب ظاهرة التسول وطرق معالجتها

إن السبب الذي جعل المتسولون يحترفون التسول ويجعلونه مهنة لهم، نجد أن هناك أسباب عدة، مثل أن البعض منهم قد لجأ إلى التسول مضطراً في البداية نتيجة للفقر أو المرض،لكن بعد أن إكتشف أن  دخلها  مرتفع احترف التسول وجعلها مهنة مربحة له،

والبعض الآخر ورث مهنة التسول من أحد أبويه أو كلاهما، والبعض الآخر قد يكون فريسة لتنظيم قام  بخطفه صغيراً وجعله يعمل متسولاً، وأطفال الشوارع الذين لا مأوى لهم، نجد أن بعضهم قد يكون متسولاً، وبعضهم قد يكون مجرماً، وكذلك المال الوفير الذي يجنيه محترفو التسول قد يغري بعض العاطلين والفقراء على التسول ويعزز ذلك ضعف الرادع القانوني.

ولعلاج هذه الظاهرة يجب على مسؤولي مدينة أكادير إتباع ثلاثة سياسات، أولها تجفيف منابع التسول، وثانيها تأهيل المتسولين، وثالثها تغليظ العقوبات وهو شرط ثالث من إختصاص المشرع المغربي .

 أما عن تجفيف منابع التسول نجد أن هناك خطوات عديدة لتحقيق ذلك، أهمها محاربة الفقر والبطالة، وذلك بتوفير فرص عمل للقادرين على العمل، وتشجيع الاستثمارات، وخلق فرص عمل جديدة،

وفي نفس الوقت نشر الوعي الديني للحض على العمل، حيث أنه في مواضع كثيرة من القرآن يأمرنا الله عز وجل بالعمل، منها قوله عز وجل “وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”  (التوبة 105) ، وكذلك في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم يحثنا على العمل “

ما أكل أحد طعاما قط، خيرا من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده” (رواه البخاري)، وقال صلى الله عليه وسلم “لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه” (متفق عليه) ،

ولا يجب أن يسأل المسلم الصدقة من أحد إلا لحاجة قهرية، حيث قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم “لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مُزعة لحم ”  (متفق عليه) (والمٌزعة هي القطعة)، “من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر” (رواه مسلم) (تكثراً: ليكثر مال، وإنما يسأل جمراً: إنما يعاقب بالنار).

 ولكي نجفف منابع التسول يجب كذلك أن تصل المساعدات المالية لمستحقيها من أموال الزكاة والصدقات عبر الجمعيات الأهلية، وعبر أجهزة الدولة المختلفة، ويكون إنفاق الزكاة والصدقات في مصارفها الشرعية كما أمرنا الله عز وجل في قوله “إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ” (التوبة : آية60)، وأن تكفل الدولة والمؤسسات الأهلية الغير قادرين على العمل وتكفل علاج المرضى الذين لا يملكون ثمن علاجهم.

وكذلك يجب إعادة تأهيل المتسولين بإعداد وتنفيذ برامج مناسبة لتعليمهم حرف يدوية مناسبة لقدراتهم، أو مساعداتهم لعمل مشاريع تجارية صغيرة كأكشاك وغيرها .

وبعد تنفيذ البندين السابقين لمحاربة ظاهرة التسول يجب تغليظ العقوبات على المتسولين، ومن يتكرر القبض عليه بتهمة التسول أقترح يجب أن تكون العقوبة أكثر شدة ممن يتم القبض عليهم لأول مرة لكن الأمر يتطلب إجتهادا من المشرع المغربي لتعديل فصول القانون بخصوص الظاهرة.

لكن لتحقيق هذا المبتغى يجب أن تتكاتف جهود الجميع ” الدولة والمجتمع المدني” للقضاء على ظاهرة التسول التي تمثل ظاهرة سلبية خطيرة، وتمثل مرض خطير تصيب جسد الوطن، وأن نرى هذه الظاهرة تتضاءل، ومع زيادة الاهتمام بمكافحة هذا الوباء نحلم بأن تختفي هذه الظاهرة وهذا الوباء من مجتمعنا تماماً.

رابط مختصر