دخول مدرسي مكسر…

آخر تحديث : الخميس 28 أغسطس 2014 - 7:55 صباحًا
2014 08 28
2014 08 28
دخول مدرسي مكسر…

ذ محسن الأكرمين

“”فإذا جاز لنا أن نسمي المملكة المغربية بأحد منتجاتها – (الثروة غير المادية ) – فإنه يحق لنا استيفاءها حقها بتسميتها ب ” مملكة الأزمات ” ، لسنا في قولنا هذا من مدمني العدمية ، لسنا ممن تلبسه السلبية جهارا تجاه الوطن ، ولكننا نسعى إلى تعرية أسباب الإخفاقات التي تركب مجموعة من القطاعات الحيوية الشعبية ، نسعى إلى ضبط مصفوفة الاختلالات المؤدية إلى الأزمة التي تكسر مستقبل أجيال بين أيدينا ….””

بعد العودة من رحلة عطلة قليلة الأيام إلى مدينتي مكناس ، من جهتها الغربية للطريق السيار . وفي المدار الطرقي المؤدي إلى السوق التجاري . استوقف انتباهي أن الأثمان مكسرة في ممر الدخول المدرسي . ابتسمت لحال التعبير- ” وهي محصلة دعوة نور الدين عيوش من عملية التعبير بالدارجة ” – ، ثم تداخلت في مخيلتي مجموعة من الافتراضات لبناء جملة رديفة بدلالات مغايرة . فاهتديت إلى جملة شدت تفكيري بقوة ، حتى أنني سمعت منبهات السيارات بقوة تطلب مني الاستمرار في السير لعدم وجود علامة ” قف” . وبعد أن “فقت ” من سهوي بإتمام عودتي ، وقولي باسم الله مرساها بمدينتي المهمشة ، والتي حتى مشعل قيادة الجهة سحب منها عنوة وألقي به إلى غريمها التقليدي … كانت الجملة البديلة للإشهار المشع الأنوار قد اكتمل بناؤها بنفس ركاكة التعبير الاشهاري ، فأصبحت بعد حذف الحواشي والتقديم والتأخير ” دخول مدرسي مكسر ” . لما استوطنت جملة ” دخول مدرسي مكسر ” مخيلتي بثبات وفرضت نفسها بقوة الوضع . هل مرد الأمر إلى الأزمة المزمنة التي كسرت أسس المنظومة التربوية ، وطوحت بها إلى احتلال المراتب الأواخر من الترتيب العالمي ؟ هل للأمر علاقة بوضعية منتوج المدرسة العمومية ” المكسر ” بالعطالة والتعطيل ؟ هل أننا ألفنا مصطلح الأزمة وبات يلازمنا في جميع قطاعاتنا الحيوية ؟ هل هو خوفي مما اقترحته الحكومة من تكسير لعملية تنظيم التقاعد بالزيادة فيه هو الآخر؟ هذه أسئلة وأخرى تناسلت بالتناوب والتتابع وأخذت تأخذ موقعها الترتيبي للإجابة عنها . هل حقا أن هذه السنة ستعرف دخولا مدرسيا مكسر الجوانح ؟ هنا اجتمع الإيجاب والقبول في القول ب ” نعم ” . فوضعية المدرسة المغربية سكتتها القلبية أعلنت جهارا، وبالتوافق المجتمعي التام مع مدبري القطاع . فحتى الاستشارة الموسعة حول المدرسة العمومية والتي قام بها المجلس الأعلى للتربية والتكوين مسبقا ، ولحقت به وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني بنفس الغايات . استشارات أخذت حجمها الموضعي من تداخل السياسي والمذهبي (…) في كل إصلاح مرتقب لقطاع التربية والتكوين . فرغم الدعوات المتكررة باستبعاد التأثير السالب للخلافات السياسية والمذهبية عن الحقل التعليمي ،فإننا آثرنا غير ما مرة تكريسها على مساحة بلاط المدرسة العمومية ” المكسر ” بحجة البحث عن عناصر التوافق الوطني ، والذي يمكن أن ننعته بالتوافق المصلحي /النفعي …البحث عن التوافقات السلمية “النفاقية ” بسكونية السطح وانضغاط القاعدة غير المستقر ، هو ما يدفع بنا إلى الشك في النوايا المبيتة للإصلاح الاستشرافي المرتقب . هل سنقوم بعملية تجميلية لما أفسدته تراكمات الإخفاقات المتتالية ؟ أم سنعرج على عطار مغربي خبر لعبة” التسويق ” ، أو إلى خبير دولي “بدفتر تحملات يساوي الملايير” لسد تجاعيد بؤس شيخوخة المدرسة العمومية ؟ أم سنعمل يدا في يد على تجفيف كل بقع الفساد والمفسدين من قطاع التربية والتكوين ، واعتباره قطاعا للتنمية البشرية الحقة ؟ الأغلبية تقول بالعودة – الحنينية – إلى دعامات الميثاق الوطني للتربية والتكوين الخاص ب (العشرية الوطنية للتربية والتكوين 2000 – 2009) وسحبه من الأرشيف الوزاري ، وتنميق ديباجته في حلة أنيقة منقحة حسب الطلب ، وكفى المغاربة شر التجديد والتطوير . لكننا نرى أن أمر الإصلاح قد تجاوز ما ورد بين الدعامات (19) للميثاق الوطني للتربية والتكوين ، من تسنين للمرتكزات الثابتة للقيم ، إلى الغايات الكبرى وحقوق وواجبات الأفراد والجماعات ، فالتعبئة الوطنية لتجديد المدرسة العمومية يجب أن تكون بمقاييس ومواصفات جديدة ، ثم بمؤشرات دقيقة تحمل بين طياتها مصداقية الواقع ، مع ضرورة استحضار التحولات الوطنية والدولية المتلاحقة . تجاوز تم بفعل تسارع مجموعة من التحولات الداخلية والعالمية في كل المجالات (الاجتماعية ،الثقافية ،السياسية ،الاقتصادية … ) . إنها نقلة العولمة الاليكترونية التي لا تضع حسبانا لأي تأشيرة لتجاوز الحدود التربوية الدولية …إنها كذلك النقلة الدستورية 2011 لمغرب ما بعد الحسن الثاني . فإذا كان الميثاق الوطني للتربية والتكوين – مثلا – يقول ب:”… مع الاستئناس في البداية – إن اقتضى الأمر – باللغات واللهجات المحلية ” (الدعامة 4). فان دستور المملكة 2011 اعتبر اللغة الامازيغية ” لغة رسمية للدولة باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء”(الفصل 5) فرغم أن الصياغة اللغوية في ديباجة الدستور الأخير أوردت اللغة الامازيغية بدون تعريف (ال) وأفردت اللغة العربية بالتعريف (ال) … فإن أمر التعبير في هذا الموضع لا يغير من بنية التوطين للغة الامازيغية . ويمكن اعتبار الإقرار والاعتراف الدستوري نقلة نوعية في إطار الدمقرطة اللغوية بالمغرب . فالمساحة الزمنية – ” 15سنة ” من حكم الملك محمد السادس – والتحولات العميقة في كل المجالات – (الاجتماعية ،الثقافية ،السياسية ،الاقتصادية …) – التي شهدها المغرب ، فضلا عن اجتماع مجموعة من الأسباب الملازمة بتقابلاتها وتبايناتها الداخلية والخارجية ، فإننا نقر أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين لم يعد يف في دعاماته بالحاجيات الداخلية والخارجية المستجدة لإصلاح قطاع التربية والتكوين ، والبرهان البليغ حتى في عزعشريته لم يطبق منه إلا ما خف وقل وزنه المادي والبشري ، وحتى البرنامج الاستعجالي قفز عليه بتنزيل مجموعة من المشاريع الأكثر جرأة مما حمل الميثاق بين دفاته . لكن القول بالاستئناس بما ورد فيه من ” تنصيص للمرتكزات الكبرى للقيم الوطنية ” هو قول لا يجانب صواب موجهات الإصلاح الاستشرافي المرتقب. فإذا جاز لنا أن نسمي المملكة المغربية بأحد منتجاتها – (الثروة غير المادية ) – فإنه يحق لنا استيفاءها حقها بتسميتها ب ” مملكة الأزمات ” ، لسنا في قولنا هذا من مدمني العدمية ، لسنا ممن تلبسه السلبية جهارا تجاه الوطن ، ولكننا نسعى إلى تعرية أسباب الإخفاقات التي تركب مجموعة من القطاعات الحيوية الشعبية ، نسعى إلى ضبط مصفوفة الاختلالات المؤدية إلى الأزمة التي تكسر مستقبل أجيال بين أيدينا ، نطمح وبأضعف مسلك وهو الحلم ” النهاري ” إلى المطالبة بإقرار إصلاح بمقاربة “شمولية “عادلة ، وبمصداقية أخلاق العناية التي نص عليها الدستور(2011) في مجال التضامن الوطني بمتتالية الكرامة والإنصاف لكل أبناء الوطن . لا أخفيكم كذبة ” أثمان الدخول المدرسي مكسرة ” فهي لإفراغ ما بجيوبكم ، لا أخفيكم صدق حجم الأزمة الهيكلية التي يتخبط فيها القطاع التعليمي وما على شاكلته من القطاعات الحيوية الإجتماعية … فموسم الدراسة قد حل وقته بنفس معايير الأزمة الماضية ، وباشتداد ضغطها عبر ارتفاع الأسعار نتيجة “مقايسة ” الحكومة . والآن يمكن أن نجمل بعض أسباب المكسرة للدخول المدرسي: • رفض المكاتب المدرسية التعاقد مع المؤسسات التعليمية في إطار ” المبادرة الملكية مليون محفظة ” لعدم تسوية الوزارة الوصية للملفها المادي مع الكتبيين لموسم الدراسي : 2013/2014. • أثمان متضاربة في اللوازم المدرسية نتيجة تباينات في النوعية والجودة. • خوف دور الطبع من تغييرات مرتقبة تلحق البرامج والمناهج ،مما جعلها تقلص من النسخ المطبوعة إلى الحدود الدنيا . • الخصاص البين في الموارد البشرية … حيث يتم معالجة الأمر بالضم المفضي إلى الاكتظاظ … • الحالة البئيسة لمؤسسات التعليم العمومي نتيجة انسداد ميزانية الهيكلة والإصلاح . • إقلاع الوزارة عن تزويد جمعية دعم مدرسة النجاح بميزانية القرب والأولويات مما جعل ألوان طيف ” جيل مدرسة النجاح ” تفقد بريقها وتعيد المؤسسات المدرسية العمومية إلى بؤسها القديم . • عدم الأخذ بمعطى مشاركة نسبة كبيرة من رجال ونساء التعليم في عملية الإحصاء ، مما سيربك الدخول المدرسي … ومواعيد الفروض المحروسة ، وإدخال النقط في ” برنامج مسار ” . • التحالف النقابي ” الحق” ، فيما يعود إلى تنزيل الحكومة للقانون التنظيمي للتقاعد غير العادل لعموم الموظفين . • الإجهاز على القدرة المعيشية لموظفي القطاع …والدفع بالطبقة الوسطى نحو الإفلاس … وتجميد الأجور… • ثورة هيئة الإدارة التربوية في آخر بلاغات “مكتب الجمعية الوطنية لمديرات ومديري التعليم الابتدائي بالمغرب” ، لعدم التزام الوزارة الوصية بما تم الاتفاق عليه وخاصة مسألة ” الإطار ” وكذلك على الوضعية المأساوية التي تعيشها المدرسة العمومية في كفاف منتوجها التخرجي . • المحالون على التقاعد والمرسوم الوزاري الذي كبل تقاعدهم إلى نهاية السنة ، فالحيف في استعمال السلطة أصابهم ،رغم أن تعاقدهم الأولي مع الحكومة كان بمتم 60 سنة . ثم بالله عليكم كيف ستكون مردود يتهم التعليمة وهو (ي) مكره (ة) داخل القسم لا بطل (ة). إنها روافد نهر أزمات المنظومة التعليمية الرعدية المدوية جهارا ، والتي فصلها سينطلق مع بداية الموسم الدراسي . روافد لا يحد من تدفقها ” المكسر ” أي سد ولو علا ، فالسيل حجمه يزيد سنويا ومعالجته تتطلب الوطنية الصادقة من الأطراف الشريكة بالقطاع بدون إقرار لقرارات مركزية بالفوقية ،والقواعد ترفضها جملة وتفصيلا … ثم الحسم في تحديد مرتكزات ومواصفات المدرسة العمومية في أي إصلاح مرتقب . الأزمة تسكن كل القطاعات الحيوية للمملكة وتكسرها ، فمن قطاع العدل والفساد الذي يهز أركانه …، إلى الصحة والمتاجرة بصحة المواطنين… ، إلى التعليم ونكوص إشعاعه الإنتاجي بالتسرب وبامتلاك الحد الأدنى من الكفايات المعرفية والمهارية …، إلى السياسة و” الشعبوية ” التي استوطنت أمناء أحزابنا ، ودفعت بنا إلى كره السياسة والسياسيين …، إلى الاقتصاد وقول الملك : “… لا نريد مغربا بسرعتين.. أغنياء يزدادون غنى وفقراء يزدادون فقرا…” … إنها الأزمة حاضرة وبقوة ، ونعايشها كرها يوميا في حياتنا الفردية والجماعية ، وزاد كرهنا لها بافتقادنا لأمل الإصلاح الوجيه . بالمقابل أحبها المنتفعون الوصوليون وأسسوا لها ناديا أعضاؤه من اللوبي المصالحي / والانتهازي /النفعي … كيف يكمن أن نحارب الأزمة ” الغول ” بجميع القطاعات و لها زبانية غلاظ شداد ، النوم لا يلازمهم البتة ، وطرف عيونهم لا يرتد … الأمر لا يخيفنا ولن يفزعكم ، فالدفع بالحرية إلى الأمام ، وحماية القانون بالمطالبة بالعدل والمساواة والكرامة … ثم بالأيادي النظيفة …، وبالفكر المستنير بالحداثة الكونية والثوابت الوطنية … كل هذه الأمور هي من جند الحرية التي لا نراها بالعين المجردة ، والقادرة بالعزيمة والإخلاص الوطني على هزم زبانية حماية الأزمة .

ذ محسن الأكرمين : [email protected]

رابط مختصر