الإجرام الحالي بسطات.. أسبابه ودوافعه

آخر تحديث : الأحد 28 سبتمبر 2014 - 10:17 صباحًا
2014 09 28
2014 09 28
الإجرام الحالي بسطات.. أسبابه ودوافعه

يوسف عاشي

  تعيش مدينة سطات إحدى الفترات القلقة فيما يتعلق بالوضع الأمني، وذلك نظرا لتسجيل عدد مهم من الجرائم تتراوح بين القتل والسلب والنهب واستعمال السلاح الأبيض، وهو أمر رفع درجة القلق لدى الساكنة لكنه رفع ايضا درجة التأهب و الكثافة والفاعلية في الإنجاز من طرف عناصر الشرطة. حيث يتم تكثيف الحملات والمداهمات للمناطق المشبوهة وتسيير سيارات الشرطة في مختلف المناطق المشبوهة.

     ويعرف عدد من الأحياء المنقسمة بين النائية والشعبية كثافة ملحوظة في تواجد عناصر الشرطة، ولا أدل على المجهود الكبير الذي يتم بذله أكثر من الايقاع بقاتل الفتاة المحروقة بمدرسة وادي الذهي في ظرف أكثر من قياسي وخلال أيام معدودة علىاصابع اليد الواحدة في الاسبوع المنصرم.

   لكن رغم هذه الجهود يبدو أن تحولا مجتمعيا تعرفه مدينة سطات، التي يبدو أنها تتحول من تلك المدينة الصغيرة التي “يبخرها ريال جاوي” إلى مدينة ذات تمايزات متعددة وكثافة سكانية ومناطق أمنية ممن تسمى بالمناطق “المسجلة خطر”. ولا أدل على ذلك مما تعرض له أحد المواطنين الذي كان يسر بالشارع على دراجته النارية بحي السماعلة الأسبوع الماضي، ليفاجى فجأة ودون سابق إنذار بسكين حاد من النوع الكبير يمتد إلى عنقه ولولا ألطاف الله لوقعت الكارثة.. سلوك كهذا لم يكن ليخطر على بال أحد، وأن يقع بسطات وليس بالبيضاء أو مراكش فذاك كان من قبيل المبالغات الخيالية.

   لكن اليوم تعيش سطات تحولا رهيبا، ليس بمعناه السوسيولوجي، لأن ذلك يتطلب جيلا على الأقل أي ما يناهز الثلاثين سنة ، ولكنه تحول كريمولوجي.. تحول يمس بنية الجريمة، ويستند إلى تحولات رهيبة ببنية الشخصية الأساسية للمواطن السطاتي.. وذلك لا يحدث صدفة، وإنما باسباب سنتطرق إلى أهمها.. قد يعترض البعض.. لكننا نطرح تحليلا مبنيا على اجتهاد شخصي مبني على منهيجة الملاحظة بالمشاركة وهي إحدى المنهجيات المتبعة في السوسيولوجيا.

لقد لاحظ جميع السكان أن معدل الجريمة ارتفع في الآونة الأخيرة، وهذا صحيح ومسجل ويمكن الرجوع إلى الدوريات الصحفية المكتوبة والمرئية والإلكترونية للتأكد من ذلك لأن حجم المواد الإخبارية التي تتحدث عن الجريمة بات رهيبا وحري به أن يقض مضجع المسؤولين على أمن هذه المدينة.

نقول أن معدل الجريمة ارتفع ونسجل مساحة زمنية محددة، وحين نربطها بالمتغير الرئيس والذي يمكن اعتباره منهجيا متغيرا مستقلا، وهو السلوك والمرجعية “الأمنية” في حل الإشكالات ذات البعد التنموي الإجتماعي، ونعني هنا الإفلاس التدبيري بخصوص ملفات التعويض الإجتماعي، ولا نقصد بالتعويض هنا فتح باب الريع وإنما وضع الإستراتيجيا والحلول قبل مباشرة التعامل مع المشكل.

      ولتوضيح الأمر نحدد السلوك الذي يعتبر في نظرنا المتغير الأساسي والمستقل وهو قرار إنهاء ما يسمى “باعة جوالين” تحت ذريعة تحرير الملك العام. هذا القرار الذي يبدو ككلمة حق أدت إلى الباطل.. سبقته بمرحلة تم فيها فتح الشوارع لمن هب ودب دون محاسبة أو مساءلة حتى بات الباعة بعرباتهم أكثر من المارة، بل وتم السماح لهم باحتلال شوارع بأكملها في مركز المدينة كما في هوامشها.. سلوك أدى إلى تفريخ المئات إن لم نقل الألاف من الباعة الجوالين، وهو أيضا سلوك سمع بفتح باب الرزق للعديد من بينهم الفئة الأبرز فئة الشباب الضائع الشباب “المبلي”.

      هكذا سيسمح المدخول بتنامي القدرة الشرائية لهؤلاء الشبان والتي لم توجه في المسار الصحيح، فكانت المخدرات وحبوب الهلوسة والخمور تحتل نصيب الأسد في مقتنياتهم، وصارت العجلة.. إلى أن سيتفتق ذهن العقلية الأمنية عن قرار ليس فقط متسرع أو عشوائي بل يمكن أن ننعته بالكارثي.. قرار بأن يتم قلب الطاولة على الكل وحرمان هؤلاء الشباب من مصدر الدخل الرئيسي. وهنا حدثت الطامة الكبرى.. فذاك الشاب المنحرف الذي يتعاطى الموبقات كان له مصدر دخل، بل ومثله من انصلح حاله، لكنه اليوم فقد ذاك المصدر الذي فتحت ابوابه على مصراعيها فجأة وأغلقت فجأة ودون سابق إنذار..

     قرار إزالة الباعة الجوالين سحب البساط من تحت أقدام الفئة المكونة للسواد الأعظم من الباعة لتتحول بين ليلة وضحاها من فئة تصول وتجول في الشوارع وكلمتها هي العليا إلى تلك الفئة التي كانت سابقا تنطوي على مكبوتاتها النفسية وإحساسها بالحرمان الذي تولدت عنه مع إضافة السلوك السلطوي المنتهج من قبل السلطات في تدبير ملف الباعة الجوالين تحول إلى إحساس بالحكرة. فذاك الذي كان يشعر أنه بات أمير الشارع.. الآمر الناهي فيه.. أصبح مجرد دودة تفعص بين اقدام عناصر القوات المساعدة وأعوان السلطة.

    إن الشعور بالغبن “الحكرة” سيتفاعل مع الشخصية الذهانية التي تولدت عن السيبة العرباتية (إن صح التعبير) الماقبل التدخل الأمني، أدى إلى توليد سلوكات عدائية وإحداث شرخ في نفسية الفئة التي نتحدث عنها من الشباب.. وهوماتم تحويله إلى سلوكات وسلوكيات في غاية الخطورة والندرة أيضا بالمقارنة مع ماضي المدينة. إنه شعور سيجعلنا نرى شباب حي يهاجم شباب حي آخر بالسكاكين والهروات في حدث لم يكن المواطن السطاتي يراه إلا في الأفلام السينمائية. نفس الشعر سيؤدي بالفرَّاشة بوسط المدينة إلى العدول عن قرار الإمتثال لقرارات السلطات والعودة إلى موطن تجارتهم الذي نشأو وترعرعوا فيه لعقودمن الزمن، ويتحدون كتيبة عناصر القوات المساعدة في بسالة منقطعة النظير.. ولولا رزانة وحكمة من يملك أمر الهجوم لوقعت كارثة  تاريخية حقيقية بسطات.

     أمام هذا التحليل وأمام سذاجة ما اعتبرته السلطات حلولا ترقيعية في تعاملها مع ملف الباعة الجوالين، إضافة إلى التراجع الذي لاحظه الباعة في فعالية تنفيذ قرار تحرير الملك العام بالنسبة للمقاهي، وخصوصا تلك التي تقبع في وسط المدينة خصوصا مع الإتفاق الذي وقع بين ارباب المقاهي والسلطات بالولاية، والذي بموجبه سمح لهم باحتلال قدر محدد يفوق المقدار القانوني المعروف.. سيجعل شعور الغبن والحكرة ينقلب إلى ما يسميه غرامشي بدينامية الحقد الإجتماعي والتي ستوجه نحو ارباب المحلات التجارية والمقاهي وتجاه ممثلي السلطة.. وهذا ما بدا واضحا في عدد من الوقفات الإحتجاجية التي سجل تناميها لكن دون أن تعير لها السلطات القدر الكافي من الإهتمام..

    إن بواعث الجريمة ليست مجانية، وإنما هي أسباب حقيقة، وقديما قيل ” إذا ظهر السبب بطل العجب” فحري بالمواطن السطاتي أن يعتبر ما يشاهده من غلو في الإجرام، ليس سوى نتيجة طبيعية لسيرورة نفسية ـ اجتماعية أدت إلى تفاعل دوافع كريمولوجية تفجرت في سلوكات إجرامية.. والخطير في الأمر هو أن السلطات لا تزال تتعامل مع المتغير الأساسي بنفس الطريقة..

ولهذا نقول: إن السلوكات والحركة الإجرامية التي ظهرت بسطات ليست سوى محصلة طبيعية للسياسة التدبيرة الفاشلة التي انتهجتها السلطات.. حيث عوض أن بتم التعامل مع الملف الإنمائي الإقتصادي بما يلزم.. لم تر أعين المسؤولين في الملف ذاته سوى لونه القانوني وتدبيره الأمني والنتيجة طبعا ما نشهده.. ولهذا وكخلاصة لهذا التحليل المتواضع نقول لمسؤولينا.. كفاكم نظرا للمسألة الإجتماعية بالرؤية الأمنية.. وكفاكم تبذيرا في اعتمادات الإنماء.. وعوض أن تتجهوا لما يزين الواجهات (مهرجانات، ومعارض رغم أهميتها) اتجهوا لما يدعم جيب المواطن، وبدلا مثلا من أن تمنعوا الطفل من

اللعب.. وفروا له الكرة.. ولن تندموا.. لأنه سيسجل الهدف.. فالمشكل ليس في تشكل علقية إجرامية بقدرما هو رد فعل عابر إذا ما زالت أسبابه.

 
 
رابط مختصر