المسرح بين الابتداع الهزلي و الإبداع المتوازن

آخر تحديث : الجمعة 2 أغسطس 2013 - 10:49 صباحًا
2013 08 02
2013 08 02
المسرح بين الابتداع الهزلي و الإبداع المتوازن

عندما أشاهد أو اسمع أو اقرأ عن الفن و المسرح . لم أكن مستلبا في تتبعي واهتمامي أو بمعنى آخر لم أكن متلقيا يقتصر على الاستهلاك. بل على العكس من دالك تماما. فقد كنت أتلقى ما أتلقى من فنون ومسرحيات وأنا أضع أمام عيني سؤالا جوهريا. هل كل ما نراه أو نسمعه أو نقرئه  عن الفن و المسرح هو اليقيني المطلوب؟  أم أن كل هده التقنيات و التمسرحات ما هي إلا جزء أو تشويه لكل ما هو فني و مسرحي؟ ثم ما هو الفن والمسرح القويمين لمقارنتهما مع الإبداعات و التمسرحات التي نتلقاها من حين لآخر؟  و لكن لكي نحكم عن هدا أو داك من الإصدارات و العمليات الفنية المسرحية. ما هي المقاييس و المنطلقات التي يفرض علينا أن نتتبع صيغها لكي ندلو بحكمنا أو رأيينا في ما نتلقاه كمتلقيين غير عاديين؟! في بادئ الأمر . يجب أن اعترف أنني فتحت العنان لمخيلتي و انفتحت على جميع الديانات و الثقافات و تأكد لي أننا حضارة عريقة لها أصول و فصول . ولابد لي أن أقارن ما أتلقاه من انتاجات فنية و مسرحية مع المبادئ و القيم التي تتأسس على غرارها حضارتنا المغربية و العربية و الإسلامية…فاكتشفت في خلاصة التلقي و المقارنة :؛ أن مسرحنا غير مكتمل في البنية و الرؤية. فهو مسرح تارة نراه غربي وتارة نراه عربيا وتارة نراه غربيا وعربيا وتارة أخرى لا نراه نهائيا! و بعبارة أخرى فمسرحنا تارة نراه يعتمد في فرجته المسرحية على المؤلف و مؤلفه و تارة نراه يعتمد على الممثل و تمثيله و تارة يعتمد على المخرج و إخراجه و تارة يعتمد على المنتج و إنتاجه… ففي كل عرض مسرحي نشاهد مسرحا قائم الذات . لا هو بالمسرح ولا هو بالعبث وإنما هو صور و ضوضاء و ضجيج و موسيقى صاخبة و جسد عاري يتوارى وراء لغة العصر على حسب تنظيراتهم . أنا لا أنكر أن النزر القليل من مبدعينا المسرحيين أبدعوا مسرحياتهم انطلاقا من رؤية عميقة أو نظرية مسرحية معينة.لا بهمنا هنا في هده الورقة أن كانت هده التصورات و المنطلقات عربية أم غربية. فالأهم أن هؤلاء المبدعين المسرحيين قد أبدعوا و تفننوا وهم ينطلقون من أسس علمية وفنية معينة. إما مدرسة أو نظرية أو ظاهرة…إن ما يلفت ألبابنا ونحن نتلقى المحاصيل الفنية و المسرحية هو هده الانتاجات المغربية و العربية التي لا تبدع في مسرحياتها إلا مسرحات عبارة عن صورة بدون صوت . فهي في نظري لا تعدو أن تكون نظريات متوازنة و إنما هي فرجات ممسرحة اعتمدت في مجمعها على الهزليات المنحطة فمواقفها عبثية رجعية و شخصياتها شخصيات منقادة لا قائدة . و مشاكلها و إن كانت بالعرام لا تعطى لها حلول كما تدور إحداثها في حلقات مفرغة. فهي إما تعتمد على جماليات الصور التي بلا معنى أو تعتمد على جماليات اللغة التي بلا معنى. و الأمر أنها أصبحت تمسرح في غياب  الزمكان و الأحداث الفاصلة و المهمة و تمسرح كوميديات هابطة تقتل المؤلف و نصه و توظف مقدساتنا بشكل كاريكاتوري بدعوى الاستفزاز. بل و تمسرح كدالك الجسد و الجنس بصور عارية لا تحترم اخلقيات قيم حضارتنا العريقة ومن تم لا تحترم مبادئ المسرح بعينه . و ما هدا إلا غيض من فيض. فلا أريد أن أطيل في تسجيل هده  التمظهرات الهدامة في فنوننا و مسرحنا و لكن حسبي أن اكتفي بهده الأمثلة التي من شانها أن تلفت الانتباه إلى المبدعين و النقاد ليعاودوا النظر في أعمالنا و توجهاتنا الفنية المسرحية . فما معنى أن يصبح برنامجا كوميديا مؤسسة تسييس مبدعين شباب و تجردهم من مسرحهم الهادف و تملئ مخيلتهم بالجزئيات البسيطة و اليومية التي تضحك – بكرموس الهندية – ناهيكم عن فعالية هدا الجمهور الذي ألف و أحب حبا جما الفكاهة الرديئة حتى انه أصبح لا يعترف بعمل مسرحي إلا حينما يوظف مواقف هزلية تبعث على القيء و الملل أكثر مما توحي على الفن و المعنى . و ما معنى أن تقدم لنا فرقة مغربية… مدعمة من وزارة الثقافة مسرحيات بجسد دون روح مدعية أنها تقدم مسرحيات عبثية على طريقة صمويل بكيت . مع أن هدا الأخير كان يبدع مسرحيات من رؤية عبثية و لكن في عمق هدا العبث نقرا المعنى في كل السطور و الصور لمسرحياته . و نكتفي بمسرحية – هو- التي شخصتها احد الفرق من الدار البيضاء كمثال على ذلك. و ما معنى أن تقتصر مسرحيات عديدة على مسرحيات كوميدية ترى في ظاهرها مواقع مضحكة على حساب المضمون و المعنى اللذين إن اجتمعا مع تقنيات الجمال و التمسرح من شانهم أن يمتعوننا على مستوى البصر و السمع و الجسد و الفكر . و ما معنى أن يصبح منظرونا و نقادنا لا يكتبون سطرا واحدا من السطور إلا نقلا من توجهات الغربيين فبقولون مثلا أن كل شيء صالح للتمسرح و إن مسرح اليوم أي المسرح الحديث لا يمكنه أن ينجح إلا بالاعتماد على المخرج الذي بقدرته أن ينقد المسرح العربي .  لا يكتفون برصد الواقف و الأطروحات الغربية بل يؤكدون على ضرورتها و صحتها و هدا ما تشمئز منه الضمائر الحية التي ترى بعين متوازنة لكل المكونات المسرحية و الفنية. فأين يا ترى الرقابة النقدية التي تعرف كيف تغربل الجاهز و المطروح من القضايا الخاصة بالمسرح المغربي فنأخذ منه ما هو أقوم و قيم حضارتنا و ترمي بجنب الهامش كل ما هو متعارض معها؟ هدا ادن هو واقع مسرحنا الذي أصبحنا نراه هنا وهناك.وهده هي حقيقته و صورته. ولا ريب أن ثلة من الأسباب هي التي ساهمت بشكل أو بآخر ليصل إلى هده المرتبة الغير متوازنة و للاستشهاد نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض الأسباب و الدوافع التي ساهمت في خلخلة السيكولوجية المسرحية المغربية و العربية/1_الانبهار و التماشي مع التكنولوجيا دون احترام خصوصيات المسرح مثل توظيف التقنيات الحديثة بلا مغزى الشيء يولد لدى المتلقي الالتباس في المعنى بدون مبرر يذكر 2_تخلف الوعي الفني لدى الجماهير المسرحية التي أصبحت لا ترى ما هو مسرحي ناجح إلا ما يقدم مسرحيات هزلية تعتمد على مواقف مضحكة تضحك المتلقي من اجل الضحك و ليس من شيء غير دالك.3_الفهم الخاطئ لبعض المدارس المسرحية ومحاولة تطبيق أسسها بشكل مغلوط كما هو الشأن لبعض الفر التي تحاول أن تمسرح المسرح العبثي مثلا.4_توقف بعض المبدعين المسرحيين على الإبداع المسرحي لعدم تلقيهم الدعم المسرحي و تسابق مسرحيين آخرين نحو الفوز بالدعم المسرحي الشيء الذي يجعلهم ينتجون مسرحيات دون المستوى المطلوب بالتالي يغيب عنهم الحس المسرحي و يكون دافعهم للإبداع هو الربح المادي.5_عدم إعطاء الفن و المسرح المكانة التي يستحقانها من طرف الدولة و الإعلام و عدم مواكبة هدا الخير للإعمال الفنية المسرحية المتوازنة و الجادة القادرة على المساهمة في التغيير الايجابي نحو مجتمع متوازن.6_عدم توفر خشبات مسرحية صالحة للعروض المسرحية بطراز عالمي.7_غياب ممثلين محترفين و ماهرين مع الاعتماد على ممثلين يكتفون بالظهور بشخصية نمطية واحده…ربما هي الأسباب كثيرة و كثيرة التي تجعل من مسرحنا المغربي و العربي مسرحا ناقصا و غير متوازن ولكن المقام لا يكفي لطرحها كاملة و سأكتفي بهده الإضاءة البسيطة لعلها تقربنا من واقع المسرح و مسرحيونا. فأملنا كبير أن نتخطى هده الهفوات البدائية في فننا و مسرحنا و اسطر ألف سطر على مصطلح بدائي .لأنه في الوقت الذي أصبحت فيه البلدان الأوربية و الأسيوية تهتم بأدق التفاصيل التنظيمية للقطاع المسرحي و الفني ما زلنا نحن في سنة 2013 ندافع عن أهمية الفن و الفنانين في المساهمة الفعالة لتنمية المجتمعات و الحضارات. ورجائنا كبير في النقابتين المسرحيتين _نقابة المسرحيين المغاربة و النقابة الوطنية لمحترفي المسرح_لتصحيح الوضع المسرحي الراهن و النهوض به نحو ركب الحضارة و المستقبل.

بقلم _ عنيبرة إبراهيم الوافي_ ايت ملول

رابط مختصر