معالم المدنية بالحاضرة الرودانية

أحداث سوسآخر تحديث : السبت 27 يونيو 2015 - 4:51 مساءً
معالم المدنية بالحاضرة الرودانية

كان وصول الأجانب الفرنسيين الى تارودانت مبكرا خلاف بقية مناطق سوس العميق، ففي 1918 استقر بالمدينة عدد ملحوظ من الفرنسيين ما دفع بسلطة فرنسا لتعيين أول مكلف اداري faisant fonction لهذه المجموعة هو القبطان بركنيون Pérkenion، بقي الوضع كذلك ردحا من الزمن حتى نهاية العقد الثاني من القرن الماضي، وفتح باب/قوس كبير وفق العمارة الرودانية الأصيلة بزاوية من سور حومة القصبة وتشييد مقر اداري ووصول هذه المرة أول مسؤول اداري ممثلا لسلطة فرنسا بصفة رسمية، هو النقيب دونا le capitaine DENAT شهر اكتوبر 1929 جمادي الأخير 1348 رئيسا لمكتب الأمور الأهلية بتارودانت ونواحيها chef du bureau des affaires indigènes، كان يسمى من قبل الأهالي القبطان داني وكذلك يسجل الاسم في المحررات الرسمية الادارية في نسختها العربية . DSC08032ابتداء من هذا التاريخ الى نهاية مرحلة الاحتلال نصادف صيغتين في التسمية، أحيانا نجد في المحررات الرسمية مصطلح تارودانت ونواحيها يقصد بها المدينة وأحوازها الملحقة بها اداريا، بينما تارودانت لوحدها يقصد بها الرقعة الجغرافية المحمية بحزام أسوار ثُماني الأضلعPentagone الذي يسيج مساحة 206.25 هكتار، يشغل العمران منها ما نسبته 22 هكتار أي 11% الى حدود منتصف القرن الماضي، لأن تارودانت قبل موجة الجفاف التي ضربت المنطقة انطلاقا من سنة 1980، كانت مند غابر العصور عبارة عن فضاء استثنائي في التنظيم الطبيعي والتنوع البيئي حسب ما سجله للتاريخ الجغرافيون القدامى كملاحظة :” ان منطقة تارودانت كانت بستانا فسيحا تغطيه أنواع مختلفة من اشجار التين واللوز والجوز والثمر والاجاص والرمان والعنب بالإضافة الى الشجرة المباركة الزيتون، يقول ابن عدارى المراكشي من العصر الموحدي في كتاب البيان المغرب في ذكر أحوال الأندلس والمغرب، أيضا المستكشفون الفرنسيون الذين وصلوا الى المدينة مطلع القرن العشرين ودونوا تقارير استخباراتية دقيقة الوصف، يقول بول شاتنيير في كتابه ” في الأطلس الكبير المغربي” الذي ألفه سنة 1919: ” تارودانت عبارة عن قصبة ضخمة أو بستان كبير منظم بدقة وعناية وهي مليئة بأشجار الزيتون والنخيل وتحيط بها أسوار عالية ذات شرفات وخلال هذه الخضرة التي تشرف عليها المساجد تبدو أربعة قرى مبعثرة وأهم مسجد يظهر من بعيد بصومعته العتيقة المزخرفة بزنابق الفسيفساء الزرقاء ، قمنا بزيارة الأسواق المغطاة حيث يباع مستخلص أزهار البرتقال المشهور وأعواد العطر النادر المستورد من السودان.” numérisation0001بغض النظر عن “أربع ربوعات” التي ذكرها هنا شاتنيير وسبق وتناولتها في مدونات سابقة وهي ربع القصبة، وربع فرق الأحباب، وربع سيدي حساين جامع الكبير، والأخير ربع الزاويات وهو أسراك والدروب المحيطة به، ركزت فرنسا أثناء تواجدها بتارودانت خلال عقد الثلاثينات على تتبع البنية العقارية ومراقبة الانتاج الفلاحي والرواج التجاري بفرض الضرائب، بعدها خلال العقد الموالي الأربعينات انطلق مشروع الحي الأورباوي بالمحايطة، حيث شيدت لموظفي الادارة الفرنسية مجموعة فيلات للسكن الملحق بمجموعة أنظمة ادارية جديدة كمكتب البريد الذي لعب دورا مهما في التواصل السلكي وتأمين نظام البريد الاداري سنة 1940، كذلك ادارة الصحة العمومية، والادارة الجهوية للضرائب، ومقر الشرطة بمكانه الحالي مند سنة 1947 ، وإدارة الأملاك الغابوية والأحراش / المياه والغابات ، والمدرسة الفرنسية / المنصور الذهبي 1942؛ أما داخل المدينة/السور فأحدث مركز تجاري فوق ملك حبسي بطريق الحدادة عند مشارف حي الملاح روعي في هندسته المعمار المحلي الأصيل، وقد استأثر تاجر روداني بأغلب زبائن الجالية حتى بعد رحيل فرنسا وبقاء بعض الفرنسيين، كان يتواصل نسبيا معهم بلغة موليير هو المرحوم سعيد بن المعطي نجم الدين الذي أضحى في 1947 المزود المعتمد بالنسبة لجل المؤن الغذائية للمدرسة الصناعية الفرنسية الاسلامية بتارودانت/ ثانوية ابن سليمان الروداني زمن المدير مسيو ريمون بيتو Pitault Raymond، أحدثت أيضا فرنسا وكالة للأسفار SATAS بساحة أسراك يشرف على تسييرها فرنسي اسمه أندري باروطيل André Barotel بقي في المهمة الى حدود سنة نفي محمد الخامس وانتقل الى اكادير ـ بذكر الراوي الحبيب هرماس رحمه الله ـ جوارها فندق صغير/الفوندة بقي يحمل نفس الاسم والصفة الدالة الى اليوم، كما وضعت طبقة رقيقة من الاسفلت انطلاقا من مدخل مستشفى بول شاتنيير الى مدخل سوق البلايغية، أما المقطع الطرقي ما بين مدخل البلايغية وساحة تالمقلات فقد فتح لاحقا في فترة نفي السلطان ، المقطع هو المسمى أصلا الطريق الجديدة. سنة 1942 بالتحديد، وصلت الشبكة الكهربائية لأول مرة ساحة ربع الزاويات/أسراك، بعدها بعقد من الزمن بناء على الظهير المؤرخ في 12صفر الخير1371 موافق14 نونبر1952 المسجل بوزارة عموم الأوقاف عـ5789ـدد قام السيد أقصبي ناظر اوقاف تارودانت واكادير ومضافاتهما بإجراء معاوضة حبسية مع جناب القبطان سارت Sart النائب عن جناب القبطان بريت Bert رئيس الأمور الأهلية برودانة نيابة عن سعادة مدير الداخلية بالرباط بشأن أسطوان الزاوية العساوية وأسطوان دار وبيت فوقها وثلاث حوانيت حبسية لأجل توسعة طريق الحدادين /مقتطف من الظهير. 11650846_1619773858276258_1354919856_nبالاعتماد على التقارير الاستخباراتية للمستكشفات الفرنسيات التي سبقت الإشارة إليها في مدونات سابقة، بدا أن مشارف تارودانت ونواحيها تخفي مؤهلات اقتصادية مهمة مهملة خاصة في الاستثمار الفلاحي، مع وفرت اليد العاملة التي تمارس حرف تقليدية ونشاطات بدائية، اضافة الى وفرت المياه السطحية؛ سنة 1936 كان عدد جالية المعمرين بتارودانت لا يتعدى 137 فرنسي ينقسمون الى شريحتين: طبقة الموظفين الاداريين يقطنون بالمحايطة وجنبات الأزقة الرئيسية للمدينة، بينما أصحاب المحلات ورؤساء الورشات الصناعية، اقتنوا بعض الدور القديمة في عمق الدروب ورمموها بشكل جيد لسكناهم، وعرف عنهم كونهم أول من استخدم باب حديدي وقفل عصري لمدخل المنزل، من أجل استقطاب المزيد من الفرنسيين الجدد ليصبحوا معمرين بعد استقرارهم واستيطانهم تارودانت، وسع نظام الحماية من اصلاحاته الادارية المسطرة في عقد الحماية، وذلك بإحداث مديريات هي نواة أولى لما سيصبح لاحقا وزارات كالبريد والصحة والتجهيز والفلاحة والصناعة والتجارة والمعادن، غير أن المغاربة عامة لم يشاركوا في هذا التطور الاجتماعي الا بشكل هامشي، ولم يستفيدوا من التجربة الملموسة في شقها الايجابي، وهي الصورة التي حدثت في تارودانت بالنسبة لشبكة الاتصال السلكي الهاتفي التي كان يتم تخريبها ليلا بعد مد أسلاكها نهارا، وتخريب منشآت ضخ المياه بالضيعات الفلاحية كنمط مقاومة للتواجد الفرنسي بالمدينة وأحوازها، على العكس أسلاك الكهرباء التي وصلت المدينة سنة 1942 وكانت تندر بخطورة الصعقة الكهربائية لدا سلمت من التعطيل بل شكلت هامش من وجه الاحتلال الذي سلم استثناء من التخريب وتقبله الرودانيون لمزاياه الإيجابية. 11124597_1619773854942925_1430104804_nاستمرت مقاومة محو أثر الأجنبي وانجازاته بتارودانت بشكل شمولي بحكم عقلية التحفظ وضيق أفق التفكير الايجابي، وهي حالة اجتماعية عامة وليست مخصوصة بتارودانت لوحدها، لازلنا نعيشها الى اليوم من حين لآخر وهي موجة مقاطعة سلع مستوردة يحكمها هاجس سياسي أكثر منه قناعة ذاتية . بعدما أنشأ ضابط الأمور الأهلية النقيب دونا capitaine Denat الحديقة العصرية العمومية الحالية 1942، أٌحدثت مشتل بستاني Pépinière de jardinage جزء منه اليوم شيدت مكانه المحكمة الابتدائية وملعب كرة المضرب، هناك كبرت شتائل الصنوبريات conifères وأشجار نخيل الزينة washingtonia والأوكالبتوس eucalyptus globulus يكون ضخم أبيض أملس، كان المسؤول عن الاعتناء بالمشتل وحراسته رجل من حومة القصبة بحكم قرب مسكنه بعدما فتح الباب الجديد/الحجر عقب إحداث ثكنة اللفيف الأجنبي ” لاليجو” la légion étrangère بحومة القصبة، ذكر لي ابن حومة القصبة الحاج احمد سلوان أن البستاني اسمه باحجوب توفي رحمة الله عليه أواخر التسعينات بعدما عمّر طويلا ، هنا يظهر تطابق المقولة: “الحرفة الى ما غنت تزيد في العمر”؛ من هناك كان يحمل المعتقلون الرودانيون المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة أشجار الصنوبريات والأوكاليبتوس – هذا النوع بالذات معمر ونادر ومطلوب جدا لا تنال منه دودة السوس وجدعه “محرم” على النار لأنه يذهب للماء، يباع بالمتر المكعب لصناعة مراكب الملاحة وقوارب الصيد- غرس الوطنيون المعتقلون الأوكالبتوس في عدة أماكن بتارودانت منها ثانوية ابن سليمان الروداني ” يخلف الله على الشجرة وما يخلف على لي قطعها” وفي تبحرين/ الخيرية، وفي مدرسة أمنة بنت وهب، وبتمديد الحديقة العمومية مكان العمالة حاليا حيث لازالت الأشجار شامخة إلا جدع ضخم يابس هناك قرب ملعب التنس أمر “بقطع” الشجرة العملاقة الضخمة المعمرة أحد مسؤولي الشؤون العامة السابقين المفروض فيه أنه يحرص على الشؤون العامة وليس حارس لها، وأخيرا بجانب المقبرة خارج باب الخميس…

DSC08030في أحد أيام سنة 1958، حضر على عجل الى مقر حزب الاستقلال بتالمقلات شخص يخبر المجتمعين أنه صادف صديقهم بوجمعة الطرابلسي الملقب خباشا الدباغ حرفة، متجها صوب باب الخميس يحمل منشار الحطب كبير وقد أخبره أنه ذاهب لقطع أشجار الأوكاليبتوس جوار المقبرة – لم يبقى اليوم من تلك الأشجار سوى 4 ملاصقة للساقية بعدما كانت تقارب العشرين – بعد وصول الرفاق في حينه الى عين المكان، استفسروا بوجمعة خباشا عن خلفية قراره، فأجابهم أن تلك الأشجار غير ذات نفع لأنها لا تنتج، زيادة هي من مخلفات زمن الاستعمار وتجسد مرحلة سوداء من حياة الرفاق، لذا وجب محو أي أثر للاحتلال حيثما وجد، فتدخل أحدهم بحكمة ممن غرسوا الأوكاليبتوس ليقنعه أن الاحتلال رحل الى غير رجعة، وليس جميع ما قام بإنجازه سيء وجب تشطيبه وتتبع أثره لمحوه من الوجود، فاتفقت المجموعة الابقاء على أشجار الأوكالبتوس ليستريح عليها الطير ويستظل تحتها الغير، وغرس أشجار مثمرة رمزا للاستقلال بالجانب الآخر ما بين المقبرتين وساقية تافلاكت، هي أشجار الكروم هناك على طول الساقية عشرات الجدور، كانت تتفتق بغلة الكرموس الأسود “الغداني” يأكل الطير من راسه ويستريح تحت ظله، وكم أكلنا بدورنا نحن دون عناء من قطوفها الدانية ونحن أطفال نتعلم السباحة في عطلة الصيف هناك في عقد السبعينات، دون أن يدري أحد منا قصة أشجار الكروم بعدما ووري الثرى جل أولئك الرودانيون الذين غرسوها والشمس الحارقة تغشى ظهورهم وتلفح وجوههم والعرق يتصبب من جباههم والقلوب بلغت الحناجر من شدة العطش والماء ينساب تحت أقدامهم دون أن يجدوا له سبيلا لأن الجلاد فوق رؤوسهم والسوط مسلط على رقابهم ، ليأتي بعد عقود من الزمن من يحمل المشار الآلي ويمحو تلك الأشجار وغيرها من أصلها في عدة أماكن ويبيعها حطبا بدراهم معدودة وكان فيها من الزاهدين، وذاك حال مدينة تارودانت وحظها البيس الى اليوم : جهة تنفق وقتا ومجهودا في البناء والتشييد وجهة تأتي من خلفا لتهدم وتخرب وتحفر وتتلف، ولا يستثنى في ذلك الراشد من القاصر، وخير دليل ما يطال تجهيزات الحديقة العمومية وفضاءات لعب الأطفال والانارة العمومية ووو ليس دفاعا عن جهة معينة ولكن دفاعا عن الحق. كل زمن وتربيتنا الوطنية بألف خير

علي هرماس 
2015-06-27
أحداث سوس