فن المديح .. ما بين الحضرة و التكسب -1-

أحداث سوسآخر تحديث : الأربعاء 1 يوليو 2015 - 3:43 صباحًا
فن المديح .. ما بين الحضرة و التكسب -1-

في العالم العربي فرقٌ إنشادية كثيرة . اختصت بمدح الرسول محمد (ص) خلال مناسبات مختلفة . لكن الأصل الذي تفرعت عنه هذه الفرق لم يكن سوى نفس الزوايا و الطرق الصوفية التي عرفها المسلمون عبر العصور اللاحقة بعصر النبي. بدأت ظاهرة المدح النبوي داخل الشعر قبل أن تلج الغناء. و يعود أقدم مديح نبوي منقول إلينا إلى زمن النبوة بالذات . فقد كان المدح غرضا شعريا متوافرا خلال الفترة المسماة تجاوزا ب”الجاهلية ” و هي ما قبل بعثة النبي محمد صعودا إلى المرحلة التقريبية لاستقرار العرب على شكل قبائل مجتمعة في مراكز كبيرة ( قرى العرب )منتشرة في بلاد الحجاز. و كان المديح غرضا رئيسيا في القصيدة العربية يأتي بعد مقدمات في الغزل أو الحنين إلى الحبيب و أرضه و ربعه المهجور ، او مقدمة في الفخر و الاعتداد بالذات، قبل أن يستقل بذاته كغرض وحيد يتمكن من كل القصيدة خلال الخريف الأموي و بداية العصر العباسي. و يبقى مدح الرسول من خلال الشعر مهمة انبرى لها شعراء الرسول و شعراء القبائل التي دخلت الإسلام فقدم شعراؤها عربون خضوعهم للرسول على شكل قصائد تصف مزاياه و تثني على كرم أخلاقه و تمجد قضيته الأولى و هي قضية التوحيد. تعد قصيدة “البردة” لكعب بن زهير بن أبي سلمى و التي مطلعها “بانت سعاد فقلبي اليوم متبول” أهمَّ ما قيل في مدح الرسول نظرا لقربها من القصيدة العربية الفخمة و التي احترم فيها الشاعر بلاغة الشعر و جمالية التصوير و أبان فيها عن إبداع جلي من خلال انتقاله بين أغراض القصيدة بسلاسة و عبقرية شهد له بها معاصروه و وقف عليها النقاد فيما بعد بكل احترام و تقدير. و كعب بن زهير هو نفسه من أغرق الرسول (ص) بسيل من السباب و التجريح قبل أن يُهدر النبي دمه و تُطلب رأسه في كل القبائل، و قصيدته هاته هي ذاتها التأشيرة التي قدر له أن يعبرَ بها إلى بر العفو و جوار النبي بعد أن كان العدوّ الأول للبروباغندا النبوية آنذاك. ثم ظهر في المرتبة الثانية شعراء آخرون كانوا أقل شأنا من ابن زهير لكنهم اشتهروا بتخصصهم في تغطية الأنشطة النبوية و الغزوات و المعارك و كيل الثناء الموصول على النبي ، فنظم حسان بن ثابت الخزرجي الذي اسلم بعد الستين من عمره- وكان مخضرما إذا عاصر النابغة الذبياني و توفي غلى خلافة علي بن ابي طالب حوالي سنة 35 للهجرة- عدة قصائد في عدة مناسبات منها : نبي أتانا بعد يأس وفترة من الرسل والأوثان في الأرض تعبــــــــد فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا يلوح كما لاح الصقيل المهنـــــد وأنذرنا نارًا وبشر جـنــــــــة وعلمنا الإسلام، فالله نحــمــــــــد وأنت إله الخلق ربي وخالقي بذلك ما عمرت في الناس أشهـــد و يشتهر في نفس المجال كعب بن مالك ، و عبد الله بن رواحة و آخرون جاؤوا بعدهم بقليل. لكن التغني بالشعر النبوي لم يتخذ صورة مستقلة إلا خلال العصر الأموي ، حين انتشرت الحانات و الملاهي بحاضرة مكة و بضواحي المدينة المنورة على إثر توسع الدولة الإسلامية و غزو البلدان المجاورة و هو نتيجة حتمية لدخول شعوب متنوعة الثقافة و التراث إلى الإسلام و وفود العديد من الأعاجم ( غير الناطقين بالعربية ) إلى بلاد العرب و اختلاطهم بشعوب الصحراء . و بينما كانت الملاهي تقدم طربا ماجنا ، كان مجموعة من الشخصيات الشعبية المتمثلة في بعض الشعراء و بعض التابعين الذين تشبعوا بالحب النبوي أو تأثروا بظهور شيعة علي ، كانوا يعبرون عن حنينهم إلى ذلك الزمن النبوي المفتقَد من خلال قصائد مديح متفاوتة الجودة. و لم ينقل من هذه القصائدِ إلى الإنشاد إلا النزر اليسير. لكنّ ظهور الزوايا و الطرق الصوفية ، نتيجةً لتعدد الروافد الثقافية و دخول الفرس و الهنود و الأفارقة إلى الإسلام ، زاد من ضرورة التلحين و الغناء خصوصا و قد احتك المسلمون بالطرب الأسيوي ( الفارسي و الهندي و الشامي و البابلي/العراقي ) و صار قلب المؤمن قابلا كل صورة / فمرعى لغزلان و ديرا لرهبان ، على رأي ابن عربي . كان العصر العباسي أكثر تسامحا مع الفنون ، خصوصا أن القصور الخلافية العباسية عرفت انتقالا فريدا بانتقال العاصمة من دمشق إلى بغداد ، و تطور الحواضر و عمارة المدن و استقرار الحياة الاجتماعية و بالتالي ظهور الترف و الرفاه و قد تجلى ذلك في تطور العلوم و الفنون على أنواعها و تعاطي الفقهاء المسلمين للفلسفة اليونانية بكل ما تحمله من ظرافة و سعة مخيلة و فن و أدب ، فنجد طبيبا أو عالم رياضيات يبتكر آلة موسيقية و ينظم الشعر و يعنى بالتاريخ و بالفلسفة الأرسطية و المنطق الصوري ، و تطورت المجالس التعليمية فصارت تتجاوز الفقه و علوم الدين . و صار الخلفاء يغدقون على الشعراء و العازفين و الجواري المطربات ، و صار السمر الليلي و الحفلات الطربية مشهدا موازيا للحياة داخل القصور ، و لا بد لكل ذلك أن يؤثر على فن المديح لأن الذين يعشقون الرسول (ص) قرروا أن يدافعوا عن حبيبهم بما ملكت ايمانهم من شعر و صدح و تشبب و نداء . تطور المديح النبوي إذن في هذه الثنايا ، و ارتبط لأول مرة بالتصوف ، لأنه الحيز الروحي المغلق الوحيد داخل الوجود الإسلامي الذي استقبل المديح بسعة صدر و جعله رفيقا للتقرب إلى الله عن طريق حب آل البيت و ذكر مكارمهم . فتنوعت الأغراض الشعرية من جديد ، و صارت القصيدة مفردة و أغراضها واضحة و دون مقدمات في الغالب . كما هجم الرمز و الايحاء كأسلوبين صوفيين في الأصل على نظام القصيدة و أساليبها. و اختلط مدح الرسول بالابتهال إلى الله. أما في الأندلس و المغرب فقد وجد التصوف ضالته خصوصا بعد الهجرة القسرية لبقية آل البيت بعد ذبح الحسين بكربلاء العراق . و انتشرت الأسر الناجية ببلاد المغرب بعد أن فشل الحكم الفاطمي في حمايتهم فغيروا اسماءهم إلى اسماء مغربية بصيغ عربية توحي بأصولهم و أحبهم اهل المغرب و أنشدوا فيهم مدائح لا تعد و لا تحصى ، و الفت في جدهم محمد (ص) قصائد مطولة تجاوزن المئة بيت . و أنشدَ أهل العرفان تلك القصائد تقربا إلى الله بحب نبيه المصطفى. و قد افرد طه عبد الرحمن جزءا من أحد مؤلفاته ( سؤال الأخلاق) لإسهام المغاربة في الفقه و فلسفة الأخلاق و أدب التصوف بالبلاد العربية ، فقد حملوا ثقافتهم الهادئة إلى بلاد العرب القابعة تحت الفوضى و النزاعات السياسية و الاقتصادية. أما المديح في عصرنا ، فهو امر مختلف ، فالكثير من الاقطار تعتبره رياضة صوفية خاصة بأهل الله و رواد الزوايا . لكن في المغرب ، تعتبر الزوايا مصادر للمعرفة الروحية و لا ترافقها الأناشيد إلا في بعض أنشطتها الجماهيرية كالمواسم و التجمعات . و قد يعتبر المغرب البلد الأكثر إنتاجا لفن المديح الذي يقدم على شكل عروض تقدمها فرقة صوتية تختلف طرق عملها من مكان لآخر . و من مناسبة لأخرى . نتطرق إليها بالتفصيل خلال الجزء الثاني من المقال ..

هشام الخضير – مهتم بالشأن لفني

2015-07-01 2015-07-01
أحداث سوس