فن المديح من الحضرة إلى التكسب -2-

آخر تحديث : الأربعاء 1 يوليو 2015 - 3:47 صباحًا
2015 07 01
2015 07 01
فن المديح من الحضرة إلى التكسب -2-

تتكون فرقة الأمداح النبوية عادة من عدة منشدين ذكور ، فهي في الأصل فرقة صوتية ذكورية . لكن ظهور الفرق النسائية كان مغمورا إلى حد كبير نظرا النظرة المحافِظة التي تجعل كل نشاط فني نسوي رهينا بالتجمعات النسوية التي تشبه مجتمع الحريم الذي كرسته القصور الخلافية منذ أواخر العصر الأموي إلى عصر الأندلس وصولا بآخر نموذج خلافي بالمغرب و هو نظلم إمارة المؤمنين الذي كان له طابع مختلف في الحكم لكن لم يختلف في الحياة الداخلية لقصوره عن النموذج الإسلامي العام . و يبرر التصوف داخل المراكز الصوفية و الزوايا خصوصا بالمغرب هذا الاحتكار الذكوري لفن المديح لكون الزوايا لم تكن تستقبل في مواسم الحضرة سوى الذكور . و ليس ظهور العنصر النسوي في المعادلة سوى لاحق بما هو حكرٌ على الذكور . رغم فن الغناء في الأصل ليس إلا صنعة أنثوية صرف. غالبا ما كان الغناء في المديح جافا ، دون آلة موسيقية ، و لم تظهر المصاحبات بالات الإيقاع إلا حديثا ، و اعتمد المنشدون خصوصا على آلة الإيقاع المصنوعة من طين طازج و غلاف جلدي يتم تسخينه قبل كل فقرة غنائية . و حتى هذه الآلة الايقاعية التي تحدثنا عنها كانت غير متوفرة، نظرا لأنها كانت تصنع في بلدان الشرق الأوسط و تستقدم غلى المغرب من مصر مما جعل ثمنها باهظا و لم يتمكن من استعمالها كل من أراد ذلك . هذا في البدايات ، واقتصر المادحون على مصاحبةٍ بالدفوف و هي الآلة الأكثر انتشارا في العالم و التي اتخذت حجما متفاوتا و شكلا هندسيا مختلفا من بلد إلى آخر فنجدها في افريقيا غالبا مستديرة و في الشرق الأوسط كذلك ، لكنها اتخذت شكلا رباعيا في مناطق أخرى . ففي المغرب كان شكلها مستديرا ( الدف ) الذي يعتبر تطويرا للآلة الايقاعية الشعبية القديمة و هي “البندير” أو “تلونت” أو “الطارة” – و في الصل القديم للكلمة فهي تعني بالسريانية الإطار الخشبي الذي يوضع عليه الجلد الرقيق و هو ما يسمى الرق- التي نجدها تستعمل بكثرة في الفلكلور الأمازيغي و العربي القديم مصحوبة بالة أكثر شعبية و أقدم تاريخيا و هي الطبل الذي يعتبر أقدم ألة إيقاعية في العالم بأسره . لكن الدف كالة ايقاعية مستديرة له مكانة تاريخية لدى كل الشعوب المتوسطية و لدى الفرس و الأتراك و الهنود بشكل خاص . لكن التاريخ و علم اللُقى الأركيولوجية يؤكد استعمال الدف لدى البابليين ( خصوصا النساء) منذ ما يقرب على 3000 سنة قبل الميلاد. لكن الأمور تطورت بشكل سريع ، فبعد التجربة العصامية للدكتور ابو الجود و فرقته التي تأسست بلبنان و اشتهرت في البداية على صعيد الشام و التي الفت الكثير من المدائح و الابتهالات ، نجد في لبنان كذلك فرقة شيعية التأسيس سميت فرقة المشاريع ، و التي كان عملها الفني متطورا كثيرا عن فرقة ابي الجود ، إذ اعتمدت الفرقة على وسائل و تقنيات حديثة في التسجيل و يحسب لهم إضافة الة “الرق” الطربية و الة الطبول و الصنوج النحاسية الكبيرة و هي في الصل مستقدمة من الغرب. قواعد علم الموسيقى و توافق الأصوات “الهارموني” و على توزيعات موسيقية و ألحان جديدة و ملحمية في الغالب خلدت قصص الرسول و سيرته و اخبار أصحابه و خلفائه في مخيلة كل صغير و كبير خصوصا خلال الثمانينيات و التسعينيات من القرن السابق. لا يمكن الحديث عن المديح النبوي خارج إطاره التاريخي ، و بالتالي سنجد فرقا إنشادية أخرى انبرت للدفاع عن بعض القضايا الوطنية و القومية و بعضها تغنت بالعروبة و دفاعا عن المظلومين و شكلت تيارات فنية مناهضة للأنظمة الفاسدة و لديكتاتورية بعض الحكام. نذكر على سبيل المثال فرقة “حماس” الذراع الفني لكتائب القسام الفلسطينية و فرقة محمد أبي راتب السوري الذي نجا من مجزرة حماة في حكم حافظ الأسد ، و فرقة “اليرموك “الأردنية … نجد في سوريا أمثلة أخرى ، حيث ارتبطت الفرق الإنشادية ليس فقط بالمديح بل بفن الموشح ، و أهمها فرقة حسن الحفار شيخ الدراويش ، و فرقة الترمذي محمد امين ، و هو أول من اشتهر بلقب شيخ المنشدين ، و الذي سطع نجمه مبكرا في سماء الإنشاد الديني حين بدأ رغم صغر سنه في التردد على مساجد حلب و لياليها الصوفية و اشتهرت قطعته الأولى ” أنا الفقير إليك يارب ” حتى لم يعد يعرف المستمع صاحبها لكثرة المنشدين الجدد الذين أعادوا غناءها و منهم السوري عماد رامي الذي اضاف مؤخرا عدة تطويرات على عروضه الإنشادية و صار فنان عربيا متميزا بصوته الضخم و اختياراته الغريبة في الألحان و التوزيع و الإيقاعات الغربية و العربية المغيرة بطابع جديد. تتعدد الروايات في اول من سبق إلى المدح لكنها تتفق على أصله في الشعر النبوي مع شعراء الرسول ، و حول أن أهم قصيدة وصلتنا هي قصيدة “البردة” للإمام محمد البوصيري المزداد في قرية مصرية من عائلة أمازيغية مغربية . و التي مطلعها بعد الصلاة على الرسول و أصحابه : أمن تذكر جيران بذي سنم ………….. مزجت دمعا جرى من مقلةِ بدم و هي مشهورة لدى المغاربة إذ تنشَدُ جماعة بعد تلاوة الحزب الراتب عقب صلاة المغرب . كما أنها تعرضت للتلحين عدة مرات و لا زالت مقاطع منها ترددُ حتى في المواويل و جلسات السمر. يذكر كذلك أن شعر العابدة رابعة العدوية يحتل المكانة الأولى في شعر الابتهال و في الغناء الصوفي . و قد حاول الشاعر المصري طاهر ابو فاشا أن يجاري شعرها من خلال القصائد الصوفية التي ألفها للمطربة المصرية الراحلة السيدة أم كلثوم عندما قررت تصوير فلم رابعة العدوية و اثمر هذا التعامل مع أم كلثوم و ملحنيها الكبار أروع أغاني في الابتهال حتى الآن . ( الرضا و النور/ عرفت الهوى….. )

هشام الخضير  *مهتم بالشان الصوفي و المديح النبوي . مادح في عدة فرق مغربية.

رابط مختصر