حادث فتاتي انزكان و منطق الازدواجية في الفعل عند بعض المغاربة

آخر تحديث : الأربعاء 1 يوليو 2015 - 4:25 صباحًا
2015 07 01
2015 07 01
حادث فتاتي انزكان و منطق الازدواجية في الفعل عند بعض المغاربة

غريب امر ادارتنا المغربية فتاتان تتعرضان للتحرش و الاعتداء بالشارع العام و فوق دلك يثم اعتقالهما و متابعتهما قضائيا بدعوى ان لباسهما غير محتشم، بينما ترك المتحرشون الذين اعتدوا على حرية الفتاتان وكرامتهما، ليستمروا في مسيرتهم لاعتراض سبيل كل من خالفهم الافكار و التوجهات … لقد اصبحوا ابطال فوق المؤسسات بسبب سوء تطبيق القانون و تغليف اعتداءهم العلني بالدفاع عن الاخلاق و الدين … و ما عليهم بعد الحادث و ما يشير اليه – الصمت علامة الرضاء – الا الاستمرار في نفس النهج و تأسيس جهازهم الخاص للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر اقتداء بالتجربة الداعشية ما دام ان الادارة المغربية (شرطة + قضاء) عاجزة عن اداء واجبها المهني المتمثل في تطبيق القانون و حماية المواطنين من كل شطط و اعتداء … امر لاشك يفتح الباب أمام هؤلاء المتسلقين على الدين والوعظ الأخلاقي من أجل فرض قوانينهم الخاصة على المجتمع … انه حدث يكشف حقيقة التناقض الكبير في تصور الادارة بصفة خاصة والمجتمع بصفة عامة للأخلاق، ادارة و مجتمع يتحركون بقوة و سرعة بسبب لباس فتاتان في الشارع باعتباره كارثة و منكرا وخروجا عن القانون و الاخلاق ، و هم نفسهم – الادارة و المجتمع – لا يحركون ساكنا ضد فساد الادارة و بطش لوبيات العقار و الفساد و نهب المال العام و مافيات المخدرات … يستنهضون كل هممهم لاعتقال فتاتان بدعوى العري و لا يملكون ادنى تصور للتقرب من الالف المؤلفة من المواطنين الفقراء ينامون عراة يفتشون ارض الله و يلتحفون سماءه … نعم انهم نفسهم يقيمون الدنيا للبحث عن مجموعة شاذة من” وكالي” رمضان و لا يملكون ادنى تصور لإطعام الالف من الايتام و الفقراء و العجزة اللدين تعج بهم شوارعنا … فإلى متى يا امة ضحكة من جهلها الامم ستبقين تختصرين الأخلاق في جسد المرأة و لباسها … و تختصرين المرأة في الشرف …. لقد أصبحت الثقافة الدخيلة على المجتمع المغربي – السخية الأموال – واقع منظور، و حادث فتاتي انزكان اشارة واضحة لتلك الثقافة التي اصبحت مهيمنة ، فقد رأينا ادن كيف لعملية تحرش مجموعة من عديمي الضمير المتسلقين على الدين والوعظ الأخلاقي على الفتاتان و محاولة الفتاتان الدفاع عن نفسهما و الاتصال بالشرطة لحمايتهن وسط جحافل المتسوقين بالسوق اليومي بالمدينة و امام المحطة الطرقية … الى نوع من التشهير من طرف مجموعة من المتزمتين برفعهم : ” الله اكبر … الله اكبر … اللهم انا هدا منكر ” . من قضية اعتداء الى قضية دينية بغلاف اخلاقي ليتحول الامر الى عملية اعتقال الفتاتان بعد قدوم الشرطة و ليس الدفاع عنهن و حمايتهن ، بل أدانتهن و متابعتهن قضائيا لتتحول الفتاتان من ضحية الى متهمتان . منظومة قيم ثقافية و اجتماعية انسانية مغربية اصيلة تم اغتيالها بالدهاء السياسوي لتجار الدين باستغلال جهل المتخلفين وجهل حتى بعض المثقفين، وتم إحلال قيم قانون الغاب و الوصاية لتتعالى أصوات التعصب و التزمت و التطرف ولتصمت أصوات الحرية الفردية . ان حادث انزكان مرتبط اساسا بالحراك الدي يعرفه المجتمع المغربي بين قوى حداثية تسعى الى تحرير المجتمع و دمقراطته و قوى تسعى للممارسة الوصاية باسم الدين و الاخلاق تحدد للناس ماذا يأكلون وماذا يشربون وماذا يلبسون، انهم فئة لا تؤمن بالديموقراطية إلا تقية . و لتجاوز هدا الواقع المنظور باث من الضروري لكل القوى الحداثية الديمقراطية السعي الى تغيير ثقافة الرجل والمرأة تجاه الآخر، فنظرة الرجل المهينة للمرأة واستسلام المرأة لتلك النظرة وتلك الممارسات التي تسلبها حريتها في التصرف والتفكير والتحرك، هي ما تحتاج إلى التغيير الحقيقي فالثقافة المتخلفة مازال الرجل والمرأة يتلقاها منذ نعومة أظافره في البيت والشارع و المدرسة و المسجد ، ونقص الوعى أو لنقل تحديداً غياب الوعى بوجود مشاكل في حياتهم هو ما يمنع التفكير في علاجها، لأن المرأة تعتبر أن هذا دورها في المجتمع وفى الحياة وعليها أن تسير وراء الرجل تنفذ رغباته وأوامره. المرأة تحتاج الخروج من الخيمة الجاهلية المتوارثة، والدخول إلى عالم العلم والتقدم والحضارة الإنسانية والاتحاد فيما بينهم والتشجيع على الاستمرار في التعليم والبحث عن المعرفة التي تقودها لمساعدة المحتاجات، وحتى تتمكن المرأة من فرض وجودها وهو شيء صعب في هده الغابة الذكورية التي لا ترحم، فالمرأة في هده المرحلة الصعبة من التغيير السياسي من الواجب عليها أن تكون منفتحة الذهن قادرة على التعامل مع أخوة وأباء وأزواج نظرتهم وثقافتهم تؤكد لهم بأن المرأة أصل كل الشرور، وعليه لابد أن تكون المرأة مقتنعة داخلها بأنها قادرة على تغيير تلك النظرة وتلك الثقافة المتخلفة بثقافتها الجديدة التي تؤتى ثمارها في الجيل الجديد. اما الادارة المغربية في قضية الفتاتان و معها تلك المجموعة المعتدية المتحرشة سبب المشكل فرسالتي لهم ان الاحساس والشعور بالذنب هو الاساس في تحقيق الحضارة على حد تعبير فرويد ، و الحضارة نتاج التزام الانسان بالعيش المشترك … لذلك، فاٍن انعدام الاٍحساس بالشعور بالذنب هو دليل على انحطاط أخلاقي يمكن أن يهدد السلم الاجتماعي المغربي . اٍن الاحساس بالشعور بالذنب، قد يكون موجوداً اْحياناً عند هدا الفرد او داك ، ولكن بشكل ضعيف. ويفشل في اداء دوره في تحسين سلوك الإنسان وتهذيبه، حيث تقوم الأنا المنحطة أو المخربة أخلاقياً بالتخلص من هذه المشاعر من خلال اشكال محددة من ما يعرف بالميكانزيمات الدفاعية اللاشعورية مثل التبرير، والاسقاط. التبرير كما هو معروف، يمثل هنا توجهاً غير صحي لاختلاق الاْسباب والمبررات الوهمية لتسويغ سلوكيات خاطئة، أو تعكس توجهات اْقرب للشر والايذاء و فرض الوصاية . و هنا اؤكد اني اعرف مسبقا ان البعض من المغاربة سيختلفون معي في التحليل و لكنهم بقدر ما انهم ينفون وجود مثل هذه الاْزمة، المتمثلة في الازدواجية أو التناقض بين الادعاء والممارسة، بقدر ما يكترون في الحديث عن الاخلاق، وفوائدها، وضرورتها للحياة، بقدر ما تتصف سلوكياتها عموماً باتجاه البعد عن المعايير الاخلاقية، بشكل مكشوف آحيانا، ومستور في اْحيان اْخرى. نحن نتحدث كثيراً عن الصدق والامانة، والوفاء والفضيلة حديث اعجاب واحترام، ومع ذلك نحن نكذب، ونخون ونمارس كل اْشكال الرذيلة. ازدواج الشخصية عند بعض المغاربة ، والفصام النكد بين ما يدعونه من اخلاق، وما يمارسونه بالفعل من ممارسات بعيدة عن القيم الاخلاقية التي يدعونها . هذه ليست ملاحظة شخصية خاصة، ولا هي مجرد نظرة تشاؤمية يمكن أن تكون قد تشكلت عند ي بفعل الاحتكاك اليومي بالشارع العام بمدينة انزكان . بل هي ملاحظة موضوعية لم اْكن السباق في اكتشافها، فقد لاحظها الكثيرون قبلي. واعطوها مسميات مختلفة، ويلتقون في الغالب على تسميتها ب “الازدواجية”. و الفرد مزدوج الشخصية من اْكثر الناس هياماً بالمثل العليا ودعوة اٍليها في خطاباته ومجادلاته، ولكنه في الوقت نفسه من اْكثر الناس انحرافاً عن تلك المثل في واقع حياته … و من اكبر عيوب هدا النموذج من الافراد انهم يطلبون من غيرهم أعمالاً لا يستطيعون هم أن يحققوها بأنفسهم ، فهم يريدون من غيرهم أن يكونوا مثالا في أعمالهم حسبما يقتضيه الجدل العقيم لهم . فاٍذا بدرت من غيرهم زلة صغيرة ضخموها باْدلتهم العقلية (الفتاتان تلبسان التنورة في شهر رمضان و لا تحترمان مشاعر الصائمين ) اْما زلاتهم التي يقترفونها هم بأنفسهم فهم ينسونها (التحرش، الاعتداء، الاعتقال ، احتلال الملك العمومي)، وقد يأتون بالأدلة ليبرهنوا على أنهم لم يفعلوا زلاتهم التي اقترفوها فهم كثير النسيان حسب الحاجة ، وقد يأتون بالأدلة ليبرهنوا على أنهم لم يفعلوا سوى الصواب ،وهذا شكل من اْشكال التبرير، الذي سبق وأن اْشرنا اٍليه كأحد الاَليات الدفاعية اللاشعورية لتخفيف الاْلم الذي يمكن أن يسببه الشعور بالذنب. و خلاصة القول كما قال احد الحكماء : ” كثيراً ما نفكر ويكون تفكيرنا تعبيراً عن تمنٍ لا اْخبار بواقع، فاٍذا قلنا مثلاً نحن في مجتمع تسوده الاخلاق ، تكون عبارتنا هذه انشائية محضة تعبر عما نرجوه، لا اخبارية تعبر عما هو واقع بالفعل». وبتعبير اخر: ” ان الدعوة للالتزام بالأخلاق، تعكس رغبة عند الفرد لأن يلتزم الاَخرون ولا يعني هذا أنه ملتزم فعلاً بالمعايير الأخلاقية، وهذا ما عبر عنه الدكتور حنفي في مقولته الشهيرة : «نحن نقول ما لا نعتقد، ونعتقد ما لا نقول»، وهو المظهر الاَخر من مظاهر الازدواج في العقلية عند بعض الاشخاص .

بقلم محمد أمنون 

رابط مختصر