خبايا لعبة المجتمع المحافظ

آخر تحديث : الجمعة 21 أغسطس 2015 - 9:38 صباحًا
2015 08 21
2015 08 21
خبايا لعبة المجتمع المحافظ

خالد أحربيل                                                                                                                                                                 

المجتمع المحافظ هو المجتمع الذي يتميز بسيادة الفكر الأحادي la pensée unique وشيوع ثقافة نمطية في التعامل مع العالم الخارجي من جهة، والداخلي من جهة أخرى، هو المجتمع المنغلق على نفسه، الذي لا يرى خيرا في اعتناق أفكار خارج الفكر السائد، هو المجتمع الذي يرى العيب في كل ثقافات العالم ويرى الشر في كل أديان العالم ويرى العبث في كل إنسانية العالم إلا نفسه التي يرفع مقامها إلى أقصى الطهرانية، شعب يقدس نفسه إلى مستوى النرجسية تحت شعار الشعب المختار.

المجتمع المحافظ يرفض أي سلوك استثنائي لا يعبر عن الفكر الجمعي وتصور الجماعة، وبالتالي أي سلوك فردي يجب أن يتماشى ويتناغم مع سلوك وتقاليد الجماعة بالسلب أو بالإيجاب، بالوجود أو بالعدم، والاستثناء معرض للعقاب الجماعي باسم الدفاع عن المقدس، الهوية، الدين، والتقاليد…

في بنية المجتمع المحافظ تجد رجال، إما سياسة أو دين أو ثقافة، في تاريخه هم أساس من استنبتوا عقيدة الانكماش حول الذات ومواجهة كل من يحاول زعزعة الفكر السائد من مكانه التصوري لدى العامة، العامة هي مختبر التجريب، ومن ثمّة فاتهامات من قبيل خيانة الثقافة والدين شيء وارد في وجه كل من يحاول التغيير والتجديد والإبداع، اتهامات بالجملة تدخل وتستقر في أعماق العامة ضد كل من أراد التعبير خارج القالَب، وكل من يحاول التغريد خارج سرب الجماعة فهو كافر، زنديق، عميل، وجاسوس… هي الفزاعة التي ترفرف و ترسَل على كل تجديد أو إبداع في كل مجالات الحياة.

ولكن الحال نقيض ذلك، فالفزاعة ما هي إلا غطاء بسيكولوجي يدغدغ شعور العامة، وخاصة -وكما يعلم العالم- نسبة الأمية في هذه المجتمعات تحقق الأولوية ناهيك عن غياب تام لثقافة المطالعة لتصل نسبة القراءة لمعدلات منخفضة لدى الفرد الواحد، حتى قيل أن مجموع دولة إسلامية معينة لا يتجاوز معدل القراءة فيها لأصغر حي بمدينة أوروبية، هذا الجانب المظلم في تحصيل العلم يجرّ معه الويلات المتمخضة عن عدم تقبل الأخر المخالف وإجباره على الخنوع والادعان والطاعة التامة لنفس المعتقدات والتقاليد التي تنظم المجتمع حتى ولو لم تنطبق مع توجهاته الشخصية سواء الدينية الإيمانية أو الثقافية الفكرية، ولاشك أن تَشكُّل الفزاعات ونشوؤها يخدم المصالح البرغماتية السياسية المحضة خاصة للطبقة الحاكمة والبرجوازية.

 يبدو مليا أن الفزاعات المحافظة تجتاح الطبقات الاجتماعية خاصة الفقيرة والهشة منها، التي تفتقر لأدنى مقومات الكرامة في الحياة، باعتبارها الفئة المستهدفة، فعوض أن تنتفض الفزاعات الشعبوية ضد الطبقية والظلم والفقر والاستبداد السياسي والتسلط الديني والقهر الاقتصادي والكبت النفسي والجهل المقدس… تجدها تثور ثائرتها ضد تنورة أو قبلة أو فيلم أو مسرحية… مع العلم أن ما يحصل في الخفاء والواقع من تناقضات مع الكلام والنظري هو من صنع هاته الفئة الهشة، إنه التناقض الرمزي والمعنوي والمادي للمجتمعات ونوع من الفصام والنفاق المجتمعي العبثي  وتعدد الوجوه والأفعال في الشخصية الواحدة.

لكن الملاحظ أيضا من الناحية الواقعية أن خريطة التفكير في المجتمع -الفئة الهشة فكريا وماديا-  الذي يتغنّى بالمحافظة ليس على درجة واحدة  سواء في البنية أو التحليل، لا يتقاسم نفس الأفكار الجمعية، مجتمع على الأقل غير مترابط ثقافيا وفكريا، وبالتالي من سَرَف القول بأحادية الفكر وإطلاق لفظ المحافظة على عواهنه كما يطلقه تجار الدين والسياسة والاقتصاد، الذين يستفيدون من خيرات هاته الفئة الهشة، فثمّة تفاوت مجتمعي بين فئة  اجتمعت لديها ثقافة الوعي والفهم والتحليل والقراءة مما جعلها تنتقد المجتمع الذي تعيشه بالوسائل المتاحة… وتكشف عن التناقضات وتبث في المفارقات الصارخة التي تعتريه، وبين فئة أخرى اجتمعت لديها ثقافة الأمية والفقر المفضي إلى التحريض على الكراهية والعنف الرمزي،  والنتيجة عنف وتصفية جسدية.

ثم عن أي مجتمع محافظ يتحدث الجميع، وما هي الأشياء التي يحافظ عليها ويدغدغ بها شعور الناس حتى يصبح شعورا قوميا أمميا. ليس ضربا من المبالغة القول بأن لفظ المحافظة غالبا ما يتم إطلاقه فقط على موضوع “الأنثى” في شكلها الهندسي وطريقة لباسها، فتعلوا الأصوات للنقاش والقول بأن المجتمع محافظ، أو موضوع التغاير الجنسي في العلاقات بين نفس الجنس الواحد أو الموسيقى أو السينما والمسرح… لكن تتخافت الأصوات كليا عندما تسقط كرامة الإنسان ويطغى الظلم والتسلط السياسي والفقر والأمية… إنها ازدواجية الخطاب، فلا ترى محافَظة تقول نحن محافظون فلنعمل من أجل الكرامة والحرية والعدالة والمساواة وسيادة القانون… فقط المحافَظة تتعالى في موضوع الجنس، حتى قيل أن المحافظين يتخصصون فقط في الجنس مع العِلم أن الجنس ليس أنثويا فقط كما في ثقافة المجتمع المحافظ، بل الجنس أو “العهارة” عملية متبادلة يشارك فيها العاهر الذكر والعاهرة الأنثى… حاليا المجتمعات المحافظة تعيش أزمات اقتصادية مادية وفقر حتى النخاع، تعرف أمية متفشية وجهل فادح، تعيش بطالة وأزمة في الشغل، تشهد انحدارا في سُلَّم الحضارة… مما يجعلها لقمة سهلة للاستغلال بيد ميليشيات الدواعش الدينية أو السياسية …

المجتمع الذي يصمت نهائيا باسم المحافظة أمام الظلم الاقتصادي والسياسي والعلمي… ويصرخ فقط ضد أغنية وضد أنثى وضد فيلم… هو مجتمع فاقد للأهلية لا يستطيع تحقيق النهضة،  وفعلا يستحق أن يتم استغلاله من طرف لوبيات الاقتصاد والسياسة والدين.

رابط مختصر