الأستاذ يوسف عشي يكتب: عالم الغاب.. أو غابوية العولمة؟

آخر تحديث : الأحد 4 أكتوبر 2015 - 10:07 مساءً
2015 10 04
2015 10 04
الأستاذ يوسف عشي يكتب: عالم الغاب.. أو غابوية العولمة؟

هل استطاع الإنسان فعلا تحقيق “فكرة” الإنسان؟ “يبدو العالم اليوم أقرب الشبه الى قرية صغيرة، ويوما بعد يوم نكتشف ضيق هذا العالم، إنه عالم صغير صغير” … هكذا تبدو صورة العالم اليوم ، وهي صورة مستقاة من سمفونية الكونية أو الكليانية أو العالمية أو حتى ما يستسيغ للجميع الآن أن يسميه بالعولمة. إن الأمر لا يعدو كونه مجرد عملية انتقاء أو استساغة لصفة أو نعت أو حتى تسمية ، إنه من الأكيد الواجب طرحه : عملية استنساخ لمفاهيم ومنظومة معلومات لا يتم العمل على تسريبها إعلاميا فقط، بل يتم تحويلها الى قواعد ثابتة لفكر عالمي عولمي يتوخى توسيع دائرة المحور لتبتلع العالم برمته… وإذ يحق التساؤل عن جوهر العملية نكون أما م مسألة أساس،إننا سنتساءل حول الغاية من هذه العملية، ستتكون لدينا بالتالي مجموعة من الاستفسارات تشكل في ترابطها إشكالية عامة قد تتحدد في السؤال عام : هل استطاع الإنسان أن يمر فعلا من حالة الطبيعة الى حالة الثقافة، بمعنى آخر هل استطاع العقل البشري أن يتجاوز المعيقات الطبيعية لبلوغ حالة المجتمع الإنساني؟ … سنحاول من خلال هذه المساهمة مقاربة بعض العوامل المؤثرة في موضوع هذا الطرح الإشكالي، خصوصا وأننا أمام موضوع يشكل الصراع و التطور و التوسع و الانتشار الثقافي والتثاقفي بؤرة الإشكال فيه، إننا سنواجه بعض التساؤلات: لمَ يتم تنمية تيار عولمي كاسح؟ لمَ هذا الفكر التوسعي؟ ثم لمَ يتجه الاهتمام الى طمس الهويات على اختلافها ؟ وكيف يتسنى لمن يتحدث بمنطق الإنسانية والديموقراطية والحرية أن يتجاهل منطلقاته ويتجه نحو صبغ العالم كله بطلاء واحد دون أن يعير أدنى اعتبار حتى للمنطلقات التي بنى عليها مشروعه التوسعي ؟ لماذا ولماذا ولماذا؟… مبدأ الصراع كضرورة حياتية : تشير العديد من الأدبيات العلمية والفلسفية الى مبدأ الصراع كمكون أساسي و ضرورة حياتية طبعت مختلف أطوار ومراحل نشوء وتطور الحياة الإنسانية ، بل حتى الحيوانية إذ يشكل عنصر الصراع مبدأ أساسيا في تشكل الحياة الجماعية ، وطبيعة الصراع بتواجده التاريخي وإسهامه الفعلي في خلق التمايز وتحريك الفعل الاجتماعي Le fait social والتحرك الاجتماعي Le mouvement social جعل بعض المفكرين يتعاملون معه باعتباره مبدأ أساسيا للحياة ، فلا أقل من أن يعتبره ماركس مثلا محركا للتاريخ.. بل وينشأ تيار فكري يجعل من نظرية الصراع منطلقا نظريا للعديد من الدراسات والأبحاث. و قد يكون هذا العنصر ذا تأصل طبيعي في الإنسان، بمعنى أنه يشكل أحد الدوافع الفطرية في الإنسان، ويشكل بالتالي منطلقا نظريا لدراسة الدوافع اللاشعورية أو الفطرية الكامنة وراء نشوء منطق الاكتساح والاجتياح الاقتصادي و الفكري والسياسي بل وحتى العسكري … يبدو أنه لابد من القول أن الطبيعي في الإنسان ما يزال يفرض نفسه بقوة على الثقافي بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة… مبدأ التطور كصيرورة طبيعية : تشير العديد من الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية ، وخصوصا منها المنبثقة عن تيار النظرية التطورية الى اعتبار أن تاريخ المجتمعات البشرية يعرف سلسلة من المحطات المتوالية، وعلى كل مجتمع أن يمر من هذه المراحل الى أن يصل الى مرحلة التقدم أي مرحلة المجتمع الصناعي ذو التضامن العضوي، وهي المرحلة التي تعبر عنها المجتمعات الغربية الحالية صاحبة المشروع العولمي، والتي لم تسلم حتى من داخلها، من إيديولوجية التنميط وتحاول تعويض هذا المفهوم بمفهوم آخر مقابل، وهو مفهوم الاندماج. – وذلك سعيا منها لاكتساب منطق المبادرة والفعل- وينبغي الإشارة هنا الى العامل الإيديولوجي، فحتى العلم الأنثروبولوجي نفسه نشأ وليد نزعة المركزية الأوربية L’eurocentrismeخصوصا وأن عددا من التجارب التنموية أثبتت وهمية التدرجات الاجتماعية التي استأسد العديد من الباحثين الغربيين في وضع سلسلاتها و مراحلها. ( تجربة اليابان مثلا) إن النماذج المطروحة، والمراد الوصول الى مرتبتها، ليست سوى عملية استعراض لقوة الإيديولوجية الغربية المتمركزة حول ذاتها والتي تعتبر أنها وصلت الى آخر مراحل التطور، إذ لا يمكن إغفال عمل داروين و سبنسر وغيرهم من التطوريين من خلال اكتشافاتهم العلمية على إرساء جذور قوية لإيديولوجية الارتقاء و الانتقائية ، هذه الأيديولوجية التي أودت بزواجها غير الشرعي مع السامية الى أحداث جعلت القرن 20 يصنف من أعنف القرون عبر تاريخ البشرية وأدماها… إن هذا قد يدفع الى استنتاج أساس وهو أن فلسفة القوة تغلب من حيت تجلياتها وتمظهراتها على فلسفة العقل والحوار الحضاري.. الحداثة ومنطق التوسع: يدخلنا مفهوم الحداثة الى عصر جديد، عصر يختلط فيه الحابل بالنابل، إنه عصر الكل للكل. فلا مجال للتراجع، والويل كل الويل لمن يتخلف عن الركب… لقد مرت البشرية الى حد الآن بعدد من الموجات العظيمة من التحول حددها ألفن توفلر في ثلاث، سلفت اثنتين منها (الموجة الأولى: الثورة الزراعية استغرق إنجازها آلاف السنين، والموجة الثانية: الثورة الصناعية واستغرقت ثلاثة قرون) ويرجح توفلر أن تكتمل الموجة الثالثة خلال عدة عقود فقط. وتشمل النظرة الحداثية مختلف ميادين الحياة الاجتماعية بما فيها مواضيع الانشغال اليومي، إنها حركة تسوق الجميع نحو سوق عالمية كبرى بنظام عالمي جديد و روئ وعلاقات كونية جديدة. وتؤثر هذه الحركة على كل منا “فالأسرة مجزأة والاقتصاد محطم و الأنظمة السياسية مشلولة، والقيم تضرب بعرض الحائط، وهي تتحدى علا قات القوى السابقة وامتيازات النخب المعرضة للخطر، وتقدم عليها الأرضية التي ستتصارع عليها قوى المستقبل.” لقد اكتسب الإنسان الغربي هذه النظرة الجديدة لقاء صدمات شديدة. أولى هذه الصدمات حسب سيكموند فرويد “الصدمة الكوسمولوجية” حيث تدمر الوهم النرجسي للإنسان فلم تعد الأرض هي مركز الكون بل مجرد حبة مهملة أمام شساعة الكون اللانهائي، ثم “الصدمة البيولوجية الطبيعية” مع داروين وسبنسر و العملية الاجتماعية الاقتصادية مع ماركس جعلت الإنسان يقتنع بانزياحه من مكانه القار في مركز هذا العالم. ومع “الصدمة السيكولوجية” خلص الإنسان الى أن عقله ليس سوى قطعة إسفنج ترسو على بحر اللاشعور. لكن الحداثة الآن في الطريق الى إحداث الصدمة الرابعة التي ستتسم بالعالمية،إنها “الصدمة الإعلامية”، فهي تستعمل مفهوم الحداثة كطعم للدخول في النظام العالمي باسم التقدم والتنمية والإصلاح… إنها تنشر مبادئ التوحد اللامشروط و الدخول في عملية تنميط شاملة، ويعبر عن ذلك مبدأ التوسع L’exploitationإذ هي حداثة كونية عالمية ، وهي بهذا تفسح المجال، وتمهد الطريق أمام أقطاب النظام الرأسمالي من خلال نشر ثقافة الكوكبية LaGlobalisationوإيديولوجية التثاقف L’acculturation لتوسيع نطاق النظام الرأسمالي كي يعم و يسود مختلف بقاع المعمور. إن ذلك هو ما يمكن وصفه بكونه عملية اكتساح للعالم تعبر عنه ظاهرة تسمى العولمة… حوار الثقافات: تتجه العديد من الأدبيات النقدية الموسومة بما يسمى “ما بعد الحداثة” إلى تعداد العوامل المدمرة الكامنة في جوهر الحداثة نفسها، وسواء تعلق الأمر بالنقد الهيدغري للحداثة عبر سماتها الأربعة – العقل والذاتية والسيطرة الكوكبية والأنظمة الكليانية، أو بنقد ليو ستروسLeo Strauss للحداثة في تحليله لموجاتها الثلاث –رفض الغائية، توسط التاريخ بين الواقع والخيال، التاريخانية- أو بنقد مدرسة فرانكفورت الأكثر جذرية؛ بحيث تدين اللاعقلانية التي تسود عالما يدعي أنه عقلاني، فالحداثة توقظ التشككات بقدر ما تولد التخيلات الأكثر ارتباطا بالمستقبل. فحتى الفكر الغربي نفسه يعي خطورة ما يقترف باسم العقلانية والديموقراطية والحرية… إن الأمر أشبه بأن يكون العالم مسرحا لأكبر تراجيديا إنسانية على الإطلاق. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل يسعى الفكر الغربي الى ضمان امتداده اللانهائي، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية التي ستحمل كارثة حقيقية في المستقبل إن لم ينتبه هذا العالم أو على الأقل جزء منه الى ذلك، فقبل قرون تحدث العلامة العربي عبد الرحمان بن خلدون عن ما يسمى بالدورة الحضارية ، ومفاد ذلك أن كل دولة تمر بخمس مراحل نجملها في ثلاث أساسية : مرحلة النشأة، فمرحلة الأوج والازدهار تم مرحلة الانحطاط، وليس بعد الأوج سوى الانحطاط ومن ثمة يمثل هذا الانحطاط بداية نشأة لدولة جديدة ، وقد وعى هانجتنغتنغ ذلك جيدا لكن بمنظور سلبي نابع عن نظرة متمركزة ذاتية. ومن منطلق غربي محض – هو نفسه الذي يطرح منطق العولمة -و تحدث عن ما سماه بصدام الحضارات، وهو ما دفع بالعديد الى تفسير ما يجرى الآن من استهداف للإسلام والمسلمين في مختلف جهات المعمور وعلى اختلاف أجناسهم، إن هو إلا محاولة للقضاء على الحضارة المحتملة لخلافة أو الحلول محل الحضارة الغربية بعد أفول نجمها، وكأن الأمر يتعلق بمحاولة لإيقاف مجرى التاريخ أو تحطيم مفهوم الدورة الحضارية… نحو فهم لغابوية العالم: قد يبدو من المثير نعت العالم اليوم بالتوازن، لكن من المجدي أن يثار التساؤل حول ماهية الإنسان في هذا العصر، وبتحديد بسيط يمكننا الاستنتاج من خلال ما سلف أننا أمام حقيقة فضة تستأسد في صفعنا بقوة ، فلا غرابة أن نجزم بتفاهة هذا الإنسان الذي يتبجح بما وصل إليه من تطور معرفي و تقني هائل، إذ هل يمكن التفريق بين ذاك الإنسان الحجري الذي ينقض بهراوته البدائية على مثيله من أجل الاستحواذ على امرأة أو فاكهة أو صيد… وبين هذا الإنسان الذي يمتطي ظهر ال ف16 أو الفونتوم و يضغط بكل بساطة على الزناد ليهوي الموت على مدينة بكاملها… ثم هل يمكن التفريق بين ذئب ينقض على أضعف من بالقطيع بقوة ووحشية… وبين جندي يطلق الرصاص على طفل أعزل أمام أنظار العالم كله؟ .. ذاك العالم الذي يتبجح بالمبادئ والقيم و المثل ، كالحرية والديموقراطية ، و الإنسانية… قد يكون من المجحف فعلا ألاَّ نطابق بين المشهدين. هكذا يبدو أننا نصل الى معنى ثابت وهو أن ما تغير في الإنسان برغم هول ما يعتقد- مع شديد الأسف – ليس شيئا على الإطلاق، فدائما كان هناك قانون يحكم الجميع ، رغما عن الجميع، قانون لا واضع له ، ولا أحد يجرؤ على التبجح بنسبته إليه، قانون يقول : البقاء للأقوى.

رابط مختصر