أنبياء بلا معجزات

آخر تحديث : السبت 10 أكتوبر 2015 - 8:13 مساءً
2015 10 10
2015 10 10
أنبياء بلا معجزات

خالد أحربيل يبدو أنه لم يعد بإمكاننا التطلع إلى تغيير حقيقي يضمن دخول المغرب فعلا نادي الدول الديمقراطية، بالمعنى الوحيد الصحيح لهذا المصطلح، أي دون تدنيسه بمساحيق “الخصوصية” أو “الاستثناء” اللذين أصبحا في حالتنا المغربية مرادفين لـ “الشذوذ عن القاعدة” بسبب الاختراع المتواصل لمفاهيم لا يمكنها أن تتعايش مع المعايير الكونية للديمقراطية وحقوق الإنسان. لست هنا أبالغ أو أتجنى، بل إن كل المؤشرات على الساحة أصبحت توحي بوجود إصرار حقيقي على ألا يربط المغرب عربته بقاطرة الديمقراطية، مع الاستمرار فقط في الدعاية والادعاء. ولعل أبرز شاهد على ذلك، نوعية السجال الدائر في الآونة الأخيرة بين من يعتبرون أنفسهم نخبا، وأصحاب رؤية سياسية، بل ونخبا قيادية صانعة للرأي العام. لقد اعتقدنا -أو كثير منا على الأقل- في لحظة من اللحظات التي تلت تدشين “مسلسل” الانتقال الديموقراطي في جزئه الأخير، -وكل شيء عندنا مسلسلات- أن حالة “الانفلات” الإعلامي والسياسي التي بلغتها بعض الأصوات الصحفية والحزبية، قد تقود إلى “تهذيب” القاموس، و”تشذيب” الأقلام والألسنة، بما أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يقتضي -بالضرورة- حدوث بعض الانزلاقات، لكن بكل أسف كل ما حصدناه بعد أكثر من 15 سنة مما سمي “حربا على الطابوهات”، هو مزيد من الإسفاف، وتأكيد جديد على أن “النخب” عندنا عاجزة عن الإمساك بزمام الأمور وعن رسم المعالم ووضع الإشارات الضرورية على هوامش طريق الانتقال من مرحلة إلى أخرى. لقد كنا أمام سجالات بلا سقف، بدعوى هدم “الطابوهات”، وتوسيع هوامش “حرية التعبير”، فأصبحنا أمام تخاريف بلا قعر بما أن فاقد الشيء لا يعطيه، والسياسيون والصحفيون والكتاب والفنانون عندنا لا يبحثون عن الأرضيات المشتركة، ولا عن النقاش الموضوعي، بل عن تبادل اللّكمات بالكلمات.. إن الخلاصة التي يمكن أن تخرج بها أية قراءة موضوعية لما حدث خلال الجزء المنصرم مما سمي “انتقالا” ديمقراطيا تحت مظلة “العهد الجديد”، تتمثل في غياب رؤية واضحة لدى من يُضفون على أنفسهم كل الأوصاف، فهم محللون وباحثون وخبراء ومثقفون ومنظرون ومفكرون… وهلم جرا إلى ما لا نهاية. بل وحسب ما تقتضيه الظروف. إن من يجول اليوم على المواقع الإلكترونية بعدما أصبحت “مخدرا” ينافس المخدرات التقليدية، والتي تنشر في التو واللحظة مقاطع من “السجالات” الدائرة بين أطراف مختلفة تُكوِّن المشهد السياسي والفكري وحتى القضائي في المغرب، يمكنه الإقرار بأن أمامنا مسيرة طويلة جدا -لم تنطلق بعد عكس ما يشاع ويذاع- إذا نحن أردنا فعلاً، اللحاق بركب الدول التي أدركت مبكرا أن أقصر الطرق نحو الديمقراطية هو الخط المستقيم دائما. وحتى لا نغرق في العموميات، دعونا نأخذ بعض الأمثلة: فحالة الفوضى التي تعرفها الساحة الإعلامية استعصى استيعابها حتى من طرف شيوخ المهنة الذين عاصروا حالات مد وجزر كثيرة. فاليوم أصبح كل من هَبَّ ودَبَّ ينشر ما يشاء، بل لم تعد هناك حاجة أصلا للغة بما أن كثيرا من الصحف الإلكترونية تستعمل لغة الشارع والحانة والبورديل، ليس فقط عند نشر “مذكرات” العاهرات و”تحليلات” سكارى آخر الليل، بل حتى عند نشر “مقالات رأي”. ولا أدري لماذا لا تضيف وزارة الاتصال جائزة إلى جوائزها السنوية، جائزة تتوج الصحف التي تحترم لغة النشر أيا كانت. بما أن المغرب حقق هنا أيضا “إنجازا” حيث تجاوزت الصحافة أداة اللغة. فاتسعت رقعة الإسفاف وكثر الأدعياء. هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فلا نحتاج إلى دليل لتأكيد واقع لن يرتفع قريبا، ذلك أن الكذب والافتراء والابتزاز. وما إليها من أوصاف مماثلة، أصبحت رديفة للعمل الصحفي الذي لم يعد كثيرون يلقون بالا لأخلاقياته وضوابطه. أما في الساحة السياسية، فاستقطاب الأضواء لم يعد يتطلب إتقان “فن الممكن”، ولا القدرة على المناورة، بل فقط عدم التحكم في اللسان، فكلما كثر الضجيج والهرج والتهريج والعبث والشعبوية والفلتات والانفلاتات، كلما ارتفعت الأسهم في بورصة السياسية. إن المشكلة الحقيقية هنا، تكمن في أن من وجدوا أنفسهم فجأة، وربما “بفعل فاعل” تحت الأضواء، عجزوا عن “الإبداع”، واكتفوا بإطلاق الفقاعات ليؤكدوا وجودهم واستمرارهم. إن هذا النوع من السجالات السياسية، التي لا تحتاج لتقديم نماذج لها، توحي بأننا لم نصل بعد مرحلة الرشد، وأن البعض تَوهّم أنه صار فعلا في موقع يؤهله ليس فقط لمحاكمة النوايا، بل لمصادرة حق المواطن في الاختيار أصلا. إن مشكلة بعض من تقطعت بهم السبل في صحراء الإيديولوجيا، تكمن في النظرة الاستعلائية التي يتعاملون بها مع الشعب، وفي الأبوية التي يمارسونها على اختياراته. والعجيب أن كثيرا من صفحات التاريخ لا تحتاج إلى ذكاء خارق لتحليل أبعادها واستيعاب دروسها. فالدول التي حققت طفرات تنموية عملاقة في وقت قياسي، كان الجسر الذي استعملته هو “الديمقراطية”، ولم تبحث نخبها الإعلامية والحزبية والفكرية عن منافذ لتهريب ممارسات تصادر حق الشعب في انتخاب من يحكمه. أما على مستوى الساحة القضائية، فيكفي أن نستحضر مشاهد الصراع على زعامة نقابتي القضاة، حيث أصبح الأمر مثيرا للشفقة ويطرح مجموعة من الأسئلة. فمن الودادية إلى النادي، هناك نفس المنطق السائد في الأحزاب والمركزيات النقابية عند الصراع على الواجهة، بينما كان المطلوب أن يكون السادة القضاة أكبر من هذا، وأن يترفعوا عن النزول إلى درك الصراع المُشخصَن على مناصب شرفية لا تغير من الواقع شيئا. أما من يتابع تدوينات بعض السادة القضاة “الثائرين” على صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، فإنه يقف حائرا متسائلا كيف يثق المواطن في أن يفصل هؤلاء بينه وبين خصمه حتى لو تعلق الأمر بقضية بسيطة؟ فالقاموس الذي يستعمله هؤلاء، والمواقف السياسية التي يعلنونها ضد وزير العدل ورئيس الحكومة، بل وحتى ضد حزبهما، تُفقد القاضي أول شرط من شروط النزاهة والموضوعية والحياد، ألا وهو التجرد واجتناب الاصطفاف السياسي والحزبي. أما في الساحة الفنية، فالإبداع أصبح مرتبطا “بخلع السراويل”. صحيح أن الفن وسيلة من وسائل التعبير السياسي، بل وأداة فعالة للتعبير عن المواقف بشكل “فني” طبعا، إلا أننا في المغرب فضلنا الخروج هنا أيضا عن القاعدة. ونفس الفجور يتكرر في الشعر والقصة… وكل أبواب الأدب الذي أصبح بعيدا عن الأدب. ولأن “الأديب” عندنا ليس ابن بيئته كما هو مفروض، فالمواضيع التي يتطرق لها “مبدعو” هذا الزمن الرديء لا علاقة لها بتطلعات المواطنين ولا بآمالهم ولا آلامهم، وليست حاملة لرسالة من أي نوع، بل إن هؤلاء نجحوا فعلا في جعل الركاكة والإسفاف يمشيان على رجلين. فجل -إن لم نقل كل- الكتاب والشعراء تشرقنت دهنياتهم فأصبحوا يمجدون ويكتبون عن الحضارة المشرقية، وأيّة حضارة أصلا، متناسين أنهم يوجدون جغرافيا في المغرب الأقصى. وهذا يُغني طبعا عن استحضار الصبيانيات التي يعرفها اتحاد الكتاب، وفضائحه المالية و”الأدبية”. كيف لا، والعلاقات فيه قائمة على الشللية والقرابة الحزبية والإيديولوجية؟ ففي جميع القطاعات أعلاه (إعلام، سياسة، قضاء، فن، فكر…) يَعتبر البعض أنفسهم “أنبياء” جددا، سبقوا عصرهم، ويعانون من الغربة في أوطانهم لأن أفكارهم لم تجد الأرض المناسبة لاستنباتها. ألم يقل المتنبي: أنَا في أُمّةٍ تَدارَكَهَا اللـــهُ غَريبٌ كصَالِحَ في ثَمُود؟ فالسياسي عندنا نبي لأن المحيطين به يؤمنون بكل ما يأتي به، ويرفعونه إلى مرتبة “العصمة”، في انتظار أن يطيح به منافس أو يظهر في حزبه “مسيلمة” يقتطع حصة من المريدين والأتباع. والمثقف نبي لأن منطق “الشلة”، يوفر الجو المناسب للاغترار. فكلما كتب أحدهم سطرا، إلا وانبرت البقية للهتاف والتطبيل واعتبروا ذلك مما “لم يستطعه الأولون”، وحولوا آراءه الشخصية إلى وحي مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والصحفي نبي أيضا، لأنه صار سلطة فوق السلطات، وأصبح يحيي ويميت، بل إن بعض “الزملاء” ممن لا تتوفر في كتاباتهم الحدود الدنيا للعمل الصحفي، يخيل إليهم أن أقلاما من طينة عبد الكريم غلاب والعربي المساري… لا تساوي شيئا مقارنة بهم. والقاضي نبي، لأنه تخلى عن مهمته المقدسة وهي إقامة العدل بين الناس، ونزل من منصته العالية، ليسير حافيا وسط “الرعاع”، ناسيا أن هذا “الاختلاط” في حد ذاته شبهة. *** في كتب النوادر نكتة تقول: إن شاعرا ماجنا كان محبوسا في زنزانة بأمر من الخليفة. وبينما كان يهم بشرب كأس من الخمر هربها له أحد الحراس، فتح باب الزنزانة وقذف بشيخ وقور بلحية بيضاء. فاستحيى الشاعر الماجن وخبأ كاس الخمر وراء ظهره. وبعد أن رحب بزميله الجديد الذي ظنه عالما، آمِرا بالمعروف وناهِيا عن المنكر، سأله عن سبب حبسه. أجاب الشيخ بأنه أعلن على الملإ بأنه نبي مُرسل، فاقتادوه إلى الخليفة الذي قال له إن لكل نبي معجزة، فما معجزتك؟ وردّد الشاعر الماجن: نعم ما معجزتك؟ رد الشيخ : قلت لهم إيتوني بامرأة وأنا أحبلها لكم. ضحك الشاعر الماجن مِلء شدقيه وأخرج كأس الخمر وقدمها لزميله الجديد قائلا: إشرب صلى الله عليك وسلم.

رابط مختصر