صدمة الحضارة ….. من المنبر إلى البلاط

آخر تحديث : الأربعاء 6 نوفمبر 2013 - 1:52 مساءً
2013 11 06
2013 11 06
صدمة الحضارة ….. من المنبر إلى البلاط

بقلم هشام الخضير اتابع منذ مدة لا باس بها برامج تلفزية و لقاءات صحفية تستضيف فاعلين سياسيين و حزبيين أصبحوا مسؤولين في مناصب مهمة ، و طالما أثار انتباهي طريقة الكلام والتحليل و التعامل مع الأسئلة المطروحة ، وحتى ننتزع لهذا المقال تأشيرة من اللسانيات الحديثة فمن الضروري الإشارة إلى أنه يركز على تحليل الخطاب السياسي في شقه اللغوي وعلاقاته بالترقي الاجتماعي . لقد شغلت الحركات الإسلامية حيزا مهما من المنظومة السياسية المغربية لمدة ملحوظة قبل انخراطها في الفعل السياسي ، حيث كانت تشكل أداة معارضة قوية و شرسة لكل مشروع سياسي يعارض توجهاتها الأساسية ، و تصدر عدد كبير من الإسلاميين عناوين الصحف بفضل مواقفهم الصريحة و طريقة الكلام التي تبنوها و التي تميزت بالبساطة والقرب من اللهجات المتداولة و من المنطوق الشعبي فلم يكن من الصعب استيعاب ما يقوله قيادي إسلامي في مناسبة عامة لأن كلامه في الغالب دارج أو فصيح ، والفصيح ليس بمعنى المختصر كما هو مفروض بل كانت الخطابات التي يلقيها قيادي في حركة إسلامية بالعربية مستفيضة جدا تنم عن عمق الالتزام و تهدف إالى توضيح القول ما أمكن . و الصفة الأخرى التي لازمت الخطاب الحركي الإسلامي لا يمكن أن تكون سوى الاستشهاد بايات من الذكر الحكيم أو من الحديث الشريف و الشعر العربي المليء بالحكم و الأمثلة الرائعة ، أو من الأمثلة الشعبية التي تحث على تحري الصدق و العفة ونبذ الكذب و نفي الصفات السيئة عن المتحدث . و كمتتبع لهذه الشخصيات ، كنت أعتبر نفسي محظوظا لحضوري تلك المناسبات التي كانت الفرصة الثانية لسماع خطبة جمعة غير نظامية ، كان هناك الكثير من الشباب و المراهقين في الحضور فكان الخطاب يرضي متطلبات الجيل من حيث الجودة اللغوية و من حيث الأهمية و الراهنية . كما أنها كانت تلبي بشكل كبير حاجات اليافعين الى الإحساس بالأهمية و المجازفة . هكذا كان يبدو الخطاب الإسلامي الشفوي لبعض الشخصيات التي كانت تتربع على قلوب شباب الحركة الإسلامية ، بفضل سلاسة او استرسال الكلام . لكن المغرب شهد تغيرات كبيرة من حيث الخريطة السياسية خصوصا بعد أن صار اولئك الشباب وقد صاروا في سن تسمح لهم بالتصويت والمشاركة في الانتخابات الأمر الذي أصبح ضروريا بعد اندماج بعض التيارات الإسلامية في العمل السياسي على شكل أحزاب . لكن الفعل الحزبي غالبا ما يختلف عن المنصب الإداري خصوصا إن كان منصبا حكوميا ، فتتغير أولا الوضعية السياسية من معارض فذ يمكنه انتقاد كل القطاعات إلى مسؤول عن قطاع واحد يتعرض للنقد ليل نهار . و بالضرورة يتغير الخطاب إذ لا يكفي أن تكون مجازا في اللغة العربية لتلقي خطابا تتلقفه وسائل الإعلام ليصل إلى الملايين من المتتبعين و المواطنين منهم كثرة لم تتلقى الخطابات القديمة . كما أنه لكل منصب آدابه و اساليبه الخاصة في الخطاب ، كما نجد في كتاب الآداب السلطانية ما يدل على أن الخطاب المرسل دون تدقيق و دون لياقة لا يليق بمخاطبة المواطنين إذا كان من يخاطبهم وليا من أولياء الأمور . تبين متابعة خطاب بعض المسؤولين اليوم ، أن خطابهم لم يتغير ، فالمغرب اليوم يقف على اعتاب أوروبا بصفة الوضعية المتقدمة والخطاب السياسي الرسمي أحيانا يتخذ شكل الموعظة القديمة التي كنا نتلقاها صغارا من نفس الأشخاص ، وقد اثبت الزمن أن الخطاب الوعظي لم يعد يلقى الترحاب حتى داخل الحركات الإسلامية التي و إلى عهد قريب ظلت تخاطب جيل التكنولوجيا و حرية الإعلام بمواعظ كشك و توصيهم بضرورة غض اليصر . المثير في الخطاب الذي نتحدث عنه هو طريقة رد البعض عن الأسئلة الحرجة ، فبدل أن يتخلص من السؤال بطريقة ذكية أو الاعتراف بأنه لا يستطيع الإجابة ، يقدم هؤلاء المسؤولون إجابات فوقية تجبر المتسائل على الخضوع كقول أحدهم لصحافي اثناء استجواب تلفزيوني : واش انا غانكدب عليك ؟؟ الجواب الضمني للمستمع هو : حاشا . وهي المقولة ذاتها الحق يخرج من افواه الرجال . أو حين يضطر مسؤول مثلا إلى القول : أنا ماكنرجعش فهدرتي …. أو : الموظفين ديالي … و عبارات أخرى كفيلة بتحوير الحوار من حوار صحفي إلى حديث بين اثنين يستدعي المواجهة ويفرض على الطرف الأضعف أن يستسلم ساكتا و منصتا لبقية الحديث . الخطاب الإسلامي الدعوي يتميز بأنه أبوي ، فهو يخاطب الجميع على أنهم ضعاف أو قاصرون ، يحتاجون إلى الرعاية و الى من يدافع عنهم ويصون عرضهم ، لذا فهو فهو مغرق في القومية السلبية و الحس الإصلاحي : إن اريد الإصلاح ماستطعت . و الإصلاح إن لم يكن بالجزرة فبالعصا ، وهو ما يتناقض بشكل صريح مع قيم الديموقراطية وما تقتضيه تقاليد الخطاب السياسي المتزن . للإنسان حق التصويت في الانتخابات فكيف نرفع بأيدينا من لا يتقن مخاطبتنا علنا بشفافية .؟؟؟

رابط مختصر