ع.الدين بونيت يعطي بديلا للإضراب : التوقف عن تنفيذ المقررات لمدة أسبوع

ahdatsouss 05 ahdatsouss 05آخر تحديث : الأربعاء 8 نوفمبر 2017 - 7:16 صباحًا
ع.الدين بونيت يعطي بديلا للإضراب : التوقف عن تنفيذ المقررات لمدة أسبوع

تقول شريحة من الأساتذة إن الرد على العنف الذي يواجهه الأساتذة في الأقسام يكمن في استعادة سلطة اغتصبت منهم على مر السنوات الأخيرة. هذا تقدير جدير بالتأمل. وأظن أن على أصدقائي من علماء الاجتماع أن ينكبوا على هذه المقاربة ليطوروا التفكير فيها ويغنوا النقاش الدائر حولها بالخبرة العلمية.

من جهتي، أفهم أن يؤدي هذا الشعور بالتجريد من سلاح السلطة والهيبة، إلى الإحساس بالغبن كما يعاني منه هؤلاء الأساتذة. لكنني في الوقت نفسه، أعرف من التجربة الشخصية ومن معاينة تجربة أساتذة آخرين كثيرين، أن الهيبة في المجال التربوي ليست دائمة قرينة بالسلطة أو التسلط. وأعرف أساتذة كثيرين ناجحين في فرض احترام مهمتهم دون اللجوء إلى أي شكل من أشكال الصرامة المادية نحو تلاميذهم.

أستخلص من كل ذلك أن الهيبة (وإن كنت أعتبر أنها ليست ضرورية، بمعناها الحرفي، في العملية التعليمية) تبنى بالتدريج وتنسج خيوطها بنفس طويل في بعض الأحيان، وبتفادي الوقوع في أخطاء سلوكية/تربوية كثيرا ما يقع فيها حتى الآباء والأمهات تجاه أبنائهم. الهيبة تبنى ولا تمنح بقرارات إدارية، ولا باستعمال العنف في مقابل العنف. ومع ذلك، فإن الأمر لا يخلو من حالات شاذة تستدعي تدخلات من طبيعة أخرى، علاجية أو زجرية أو وقائية.

رأيت وسمعت خلال هذين اليومين دعوات متعالية من هنا وهناك من أجل عقد إضراب احتجاجي على تنامي ظاهرة العنف. قد يكون الإضراب مفيدا في تجنيد مزيد من المسؤولين للاهتمام اللحظي السياسوي العابر بظاهرة ما فتئت تتفاقم وتتطلب عناية أعمق. لكن الوقوف عند هذا الجواب وحده هو أشبه بمن يكنس باب بيته ويرمي بالأزبال في عرض الطريق كي يطأها المارة المجهولون ويعيدوا بعثرتها أمام كل الأبواب. هذه العادة التي اكتسبناها على مر السنين، والقاضية بالاكتفاء برمي المسؤولية في كل شيء على عاتق هذا الكيان المجرد الذي نسميه الدولة أو المسؤولين، وانتظار الحلول منه، هي جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل. لا يكفي أن نردد الشعارات والمطالب ثم نعود من حيث اتينا.

العنف في المدرسة وفي الملاعب وفي الشارع، مشكلة سياسية فعلا، ويحتاج إلى أجوبة سياسية. لكن إدراك هذه الحقيقة لا يكفي. لا بد من المساهمة في التفكير في ملامح هذه السياسة، وحمل أجوبة المربي إلى السياسي. وهذا جزء من واجبنا المهني والوطني.

بودي لو أن الأساتذة جعلوا لاحتجاجهم شكل مبادرة عملية لا تقوم على التوقف عن العمل، بل تقوم على التوقف عن تنفيذ المقررات لمدة أسبوع، وتخصيص هذا الأسبوع بشكل تضامني داخل المؤسسات لفتح ملف العنف مع التلاميذ في ورشات تربوية، تتيح لهم الفرصة للتعبير عن آرائهم وتعاليقهم وما يقترحونه من حلول، ومحاولة تأطير تفاعلهم مع الظاهرة تأطيرا إيجابيا.

عوض الإغراق في تبكيت التلميذ من حيث هو تلميذ، وعوض البحث عن الحل الأسهل الذي هو القمع (ما يسمى استرجاع هيبة الأستاذ) سيكون من المفيد الاعتراف للتلميذ بحد أدنى من المعقولية تجعلنا قادرين على التعامل معه كشخص في طريق الرشاد (إن لم يكن راشدا) قادر على الفهم والتفاعل الإيجابي واقتراح الحلول معنا والتعاون على إقامة علاقات تربوية سوية، تجعل المدرسة فضاء للإدماج الحقيقي عوض ان تكون – في تهيؤات التلميذ – فضاء لتجسيد سلطة قامعة يسعى للتمرد ضد ضوابطها. ماذا لو ابتكرنا طرقا لتكليف التلاميذ بتسيير فضاءات المدرسة خلال هذا الأسبوع، تحت إشراف أساتذتهم والمشاركة في تأطير أنشطة ورشات الاحتجاج؟؟ أي قيم سنسهم في زرعها في أشدهم حماسة، وأي شعور بالذنب سنوقظه في وعي أكثرهم ميلا إلى التمرد والشغب المجاني؟

ماذا لو كان احتجاجنا يسعى إلى استرجاع الدور التربوي الحقيقي للأستاذ، عوض السعي إلى استرجاع هيبة لا تعطى بل تبنى؟ مذا لو وقفنا حقا في وجه سياسة إفراغ وظيفة الأستاذ من أدوارها في التنشئة الاجتماعية والنفسية للتلاميذ؟ ماذا لو وقفنا في وجه تحويل المدرسة إلى صحراء ثقافية قاحلة يابسة؟ هذه في نظري هي بعض أوراشنا الاحتجاجية الخلاقة.

أحلم بان يقود الوعي الجمعي الأساتذة إلى تبني أسبوع لمحاربة العنف في المدرسة، بمعية التلاميذ، بتوقيف الدروس العادية والانخراط في ورشات العمل من أجل مواجهة هذه الظاهرة في كل أبعادها. وفي نهاية هذا الأسبوع يمكن الاحتفال بميلاد علاقات جديدة بناءة بين التلاميذ والأساتذة والهيئة التربوية. ولي ثقة كبيرة في ان هذا الاحتجاج سيكون أكبر فائدة من مجرد ترديد شعارات في وقفات هنا وهناك في يوم إضراب ضد التلاميذ. بعدئذ، سنرغم الوزارة على إعادة النظر في مكونات المقررات الموجهة للامتحانات. وهذا هو الاحتجاج الحقيقي.

ومن الجوانب الإخرى، أنتظر من السوسيولوجيين وعلماء الربية والنفسانيين أن ينخرطوا في نقاش حول الموضوع بدعم من الإعلام العمومي والخاص لمواكبة هذه الحملة الوطنية، وللإسهام في رسم حدود سياسة وطنية لمناهضة العنف متكاملة الأركان، لا تعتمد علىالزجر وحده، بل تدمج نشاط الشبابي والرياضي من مخيمات ورحلات، وتغذية ثقافية، مع إدماج مفهوم الخدمة الوطنية العمومية، عبر التجنيد المدني والعسكري لمساعدة الشباب على اكتساب الخبرة بالحياة الحقيقية، عوض الاكتفاء بالحياة التي يوفرها العالم الافتراضي.

2017-11-08 2017-11-08
ahdatsouss 05 ahdatsouss 05